لا أتذكر عدد المرات التي حلفت فيها على المصحف الشريف, بألا اقحم نفسي بأية صورة من الصور في أي عمل مشترك, وخاصة اذا كان بين المثقفين, ولا اتذكر عدد المرات التي حنثت فيها بالقسم, وكفرت عنه بصيام ثلاثة أيام أو اطعام عشرة مساكين! اما لماذا كنت احلف, فلأن الانطباع الذي خرجت به من قراءاتي وملاحظاتي وتجاربي, هو اننا نحن العرب, ولدنا بعيب خلقي ــ بكسر الخاء وتسكين اللام مرة, وبضمهما مرة اخرى ـ هو الفردية والعجز عن العمل المشترك, تحمله احدى الجينات الوراثية التي انتقلت الينا من عدنان وقحطان وفرعون وهامان, وما تنسل, وهذا الجين هو المسئول الرئيسي عن معظم مشاكلنا ومصائبنا, وعن قلة قيمتنا وبهدلتنا وهواننا على حكوماتنا وعلى العالم وبالذات على أسيادنا الذين في واشنطن وتل أبيب! وليس هذا الاستخلاص في حاجة الى شواهد من التاريخ, أو أدلة من الحاضر, فكلاهما أكثر من الهم على القلب, يستوي في ذلك عجز القمة العربية عن التوصل الى عمل مشترك يوقف العربدة الاسرائيلية بعجز شاغلي الوحدات السكنية في أي بناية عن العمل معاً من اجل ادارة مرافق العقار الذي يسكنونه وصيانته. واذا كان العمل المشترك بين الناس العاديين مشكلة بسبب فرديتهم, فهو بين المثقفين معضلة, فالمثقف في بلاد مثل بلادنا, يعاني فيها الناس من الأمية الالفبائية, ويعجزون عن التفرقة بين الألف وكوز الذرة, يعتبر نفسه ــ عن حق ـ انسانا مميزا, وبالتالي فإن احساسه بذاته يكون عادة اكثر تضخما وفرديته تكون عادة فى اعلى درجاتها, وقد تصل الى حد الغرور القاتل,.. وفضلا عن ذلك فان ثقافة الاستبداد التي نتربى جميعا في ظلها قد انتهت ببعض المثقفين الى درجة من التعصب لآرائهم على نحو اصبحوا يعتقدون معه أن الباطل لا يأتيهم من بين ايديهم ولا من خلفهم, وحولت بعضهم الى (حالة نفسية) قفزت بهم ــ بقرار منهم ــ الى منصة اصدار الاحكام, ليوزع كل منهم على الآخر, وعلى خصومه في الرأي, أحكام الكفر والخيانة, ويمنحهم صكوك الغفران وبراءات الوطنية, وهؤلاء يستحيل عليهم العمل المشترك مع آخرين, لأن ذلك يحرمهم من منصة القاضي التي اغتصبوها لأنفسهم, ويساويهم بالآخرين, الذين يحرصون على التميز عليهم, باعتبارهم الأوفر وطنية والأكثر ايماناً. واذا كان واجب الانصاف للمثقفين العرب والمصريين يفرض علينا ان نعترف لهم بأنهم لعبوا دورا مهما في تاريخ امتهم, وفي تطوير اوطانهم, منذ بدأ عصر النهضة العربي في اوائل القرن التاسع عشر, وان نشيد بتضحيات عظيمة بذلها كثيرون منهم دفاعا عن قضايا شعوبهم, فان واجب الانصاف للحقيقة يوجب عليهم ان يعترفوا بأن هذا الدور كان يمكن ان يكون اكثر تأثيرا وأكثر فاعلية لولا هذا المرض المتوطن, والشائع بينهم, الذي هو بلهارسيا الفردية وانكلستوما العجز عن العمل المشترك. ذلك ما انتهيت اليه, بعد تجارب ومحن تشيب الغراب وتهشتك الفيل, سبق ان رويت فصولا منها من قبل, ولا بأس من الاشارة الى عناوينها من باب تقليب المواجع قبل الدخول في الموضوع. فقد حدث في عام 1975, ان استصدر المرحوم يوسف السباعي ــ وزير الثقافة ــ من مجلس الشعب, قانونا بانشاء اتحاد الكتاب المصريين, ومع ان ذلك كان مطلبا للمثقفين رفعوه وألحوا عليه منذ منتصف الستينيات, الا ان القانون ما كاد يصدر, حتى اثار اعتراضات واسعة, وكالعادة انقسم المثقفون بين أغلبية, رأت ان القانون وان كان مليئا بالعيوب, الا ان الاتحاد قد اصبح كيانا قانونيا قائما, دعوا للاحتشاد داخله, والسعي لاصلاحه عبر عمل ديمقراطي دؤوب ومتصل, وبين أقلية, دعت الى مقاطعته, ورفضت الانضمام اليه, ورفعت شعار الدعوة لتأسيس اتحاد ديمقراطي مستقل للكتاب المصريين, مع ان القانون المصري كان ــ ولا يزال ــ يحظر انشاء النقابات من دون قانون, ويحظر انشاء اكثر من نقابة للمهنة الواحدة. المهم ان الاقلية التي دعت الى مقاطعة الاتحاد, نجحت في اثارة غبار كثيف, دفع كثيرين من الكتاب, يحرصون على ان يجنبوا انفسهم الدخول في هذا النوع من المعارك الذي يختلط فيه الحابل بالنابل والمثقفون بصبية الحواري, حفاظا على كرامتهم, وعلى مكانتهم, الى اعتزال الامر كله, فلم يتقدموا لطلب عضوية الاتحاد, فكانت النتيجة ان اختل تركيب جمعيته العمومية التأسيسية, ومنذ ذلك الحين, اصبحت الانتخابات التي تجري لاختيار مجلس ادارة له, تفرز ــ في الأغلب الأعم ــ شخصيات لا تمثل في مجموعها الكتاب المصريين, ولا تعبر عن مراكز الثقل الحقيقية داخل جماعة المثقفين, او تعجز عن التواؤم مع أوضاعه القانونية, وبذلك ولد الاتحاد ميتا, ولا يزال في الملكوت الاعلى منذ تأسيسه وحتى اليوم. وعلى الرغم من انني كنت من الفريق المتحمس للانضمام الى الاتحاد, ومحاولة تغييره من الداخل, فقد سعيت بعد الانتخابات الاولى له, التي أسفرت عن مجلس ادارة ضعيف الصلة بجماعة المثقفين, الى العمل مع الفريق الآخر, اذا لم يكن هناك في الواقع تضاد بين وجهتي النظر, فقد كان باستطاعة الجميع ان يحتشدوا داخل الاتحاد, وان يعملوا في الوقت نفسه على تأسيس جمعية ثقافية مستقلة, تكون حافزا لتنشيطه, وتؤدي ما يعجز عن ادائه. وهكذا تعددت اجتماعاتنا في محاولة لتأسيس جمعية اهلية كان يفترض انها ستكون الاتحاد الوطني المستقل, واستغرقت الاجتماعات والمناقشات اسابيع وشهور, وفي كل اجتماع كانت بعض الوجوه تختفي, لكي تحل محلها اخرى, فنضطر لاعادة المناقشات من جديد, الى ان جاء يوم اختفى فيه الجميع, ليعودوا الى بيوتهم, ويشدوا اللحاف على انفسهم, باعتبار ان ذلك (اللحاف) هو الاتحاد الوطني المستقل للكتاب المصريين! يومها حلفت على المصحف الشريف, ألا اقحم نفسي في أية محاولة لاقناع المثقفين بالعمل المشترك, او بالتعاون في أي مشروع, مهما كانت الأسباب! ولأن الزمار يموت وصباعه يلعب فانني لم أتب, ففي العام التالي مباشرة ــ وفي ظل انفراجة ديمقراطية نسبية ــ شاركت في لجنة كانت تعرف باسم (اللجنة التحضيرية للمؤتمر المصري الاول للدفاع عن حرية التعبير) ضمت ممثلين لعدد من الجمعيات الثقافية, ظلت لمدة سبعة اشهر تناقش من دون أن تتوصل الى اتفاق حول تركيب المؤتمر والهيئات التي ستشارك فيه فكل واحد يريد ان يستبعد الاخرين لانهم ــ في رأيه ــ يهددون حرية التعبير, او لانه ــ في الحقيقة ــ يريد ان ينفرد دونهم بشرف الدفاع عن هذه الحرية, ولا احد يقبل ان يشترك مع غيره في أي عمل مشترك, حتى لو كان السعي لمعرفة القيود القانونية والعرفية التي تهدد حريته, والعمل من اجل ازالتها, وظل الوقت يتسرب من بين أيدينا, حتى تغيرت الظروف السياسية فأغلقت الانفراجة الديمقراطية النسبية بالضبة والمفتاح وحل معظم اعضاء اللجنة التحضيرية, ضيوفا على سجن ليمان طره في حملة يناير 1977, حيث تمتعوا بحرية التعبير على راحتهم, وكنت كلما وصل واحد منهم استقبله وانا اقول له ضاحكا (مثقف ابني عمي عندنا.. يا مرحبا.. يا مرحبا) وادعوه للعمل المشترك في كنس العنبر وبتنقية الفول من السوس, والغريب, انهم كانوا يوافقون بحماس ومن دون أي اعتراض على العمل المشترك. ايامها حلفت على المصحف بالقسم المذكور اعلاه, ثم حنثت كالعادة وصمت كالعادة وكررت المحاولات لمرات لم أعد اتذكرها, كان من أخرها مؤتمر عقده المثقفون, في اعقاب محاولة اغتيال نجيب محفوظ على يد ارهابي مأفون, ثبت فيما بعد انه لم يقرأ له حرفا, وكان غضب المثقفين ــ لما حدث ــ عارما, لذلك ارتفع في المؤتمر الهتاف بالحياة وبالسقوط, واقسم الخطباء الا يغمض لهم جفن الا بعد ان يشكلوا جيشا من المثقفين يتصدى بقوة لكل عدوان على حرية الابداع الادبي والفني والبحث العلمي, وتحمسوا لاقتراح بتأسيس جمعية للدفاع عن الحريات الثقافية, وعندما بدأ النقاش في التفاصيل عادت ريما لعادتها الثقافية القديمة فطالب البعض بالا تقبل الجمعية في عضوتيها احد من الذين ايدوا الاجتياح العراقي للكويت باعتبارهم من (مثقفي ام المعارك) وطالب اخرون باستبعاد الذين لم ينددوا بحرب عاصفة الصحراء باعتبارهم من (مثقفي حفر الباطن) وطالب فريق ثالث باستبعاد كل من يؤيد قرار مجلس الأمن رقم 242, وبدا لي ان هناك حالة من الهيستريا الجماعية تدفع الجميع لمحاولة استبعاد الجميع, حتى اوشكت ان اقترح استبعاد كل من لا يحب الباذنجان من عضوية الجمعية التي بدا لي انها لن تكون جمعية للدفاع عن الحرية, بل منظمة لاشاعة الهستيريا, التي يرمز اليها في الأدبيات الشعبية بالباذنجان الاسود. وضاعت في هذا الضجيج أصوات الذين حاولوا اقناع المؤتمرين بأن مظلة الدفاع عن حرية التعبير تتسع لكثيرين يمكن ان يختلفوا في عشرات اخرى من القضايا ولا يحول ذلك دون ان يتعاونوا من اجل الدفاع عن مصلحة مشتركة هي حرية التعبير, ولا يمنعهم هذا التعاون من التعبير عما يختلفون فيه, وانتهى المؤتمر بتشكيل لجنة انيط بها وضع تصور لأهداف الجمعية ونشاطها, عقدت عدة اجتماعات لهذا الغرض في امسيات رمضان قبل حوالي سبع سنوات في منزل المرحوم سعد الدين وهبة, حيث تناول الجميع كما سمعت انذاك صينية كنافة مفتخرة وتكررت الاجتماعات, وتكررت الكنافة, ولكن الجمعية مع ذلك لم تتأسس, اذ كانت بعدما جرى في المؤتمر ــ قد اصبحت كنافة بالباذنجان! اما لماذا كنت ــ ومازلت ــ اصر عى العودة لما حلفت على المصحف ألا أعود إليه, فلأنني كنت ومازلت ــ اؤمن بأن علينا نحن العرب, ان نتحدى جينات الفردية والانانية والعجز عن العمل المشترك, التي ورثناها من عدنان وقحطان وفرعون وهامان, والا ضعنا, ولأن تجاربي في هذا الصدد لم تكن كلها كنافة بالباذنجان بل كانت في احيان اخرى كنافة بلا باذنجان ففي عام 1989 رشحت نفسي لعضوية مجلس نقابة الصحفيين ودعوت في برنامجي الانتخابي الى عقد مؤتمر عام للصحفيين, يتيح لهم الفرصة لكي يتحاوروا معا, ويتحاوروا مع الهيئات الحكومية والشعبية ذات الصلة بمهنتهم حول المشكلات المهنية والقانونية والنقابية للصحافة, وتحمس للفكرة فريق من الناخبين, وفريق من المرشحين, واخذت دعما قويا حين تبناها (مكرم محمد أحمد) اقوى المرشحين لمنصب النقيب. وما كاد المجلس الجديد, برئاسة النقيب (مكرم محمد احمد) يبدأ نشاطه, حتى شكل لجنة خماسية من اعضائه, للاعداد للمؤتمر, عقدت عدة اجتماعات, حتى ادركتها الاجازات وشغل المجلس كله, بما فيه اعضاء اللجنة بقضايا اخرى, فلم تنجز عملها الا في خريف العام التالي, حيث بدأ الاعداد الجدي لعقد المؤتمر وتواكب ذلك مع اقتراب موعد اجراء انتخابات التجديد النصفي للمجلس ولمنصب النقيب, فكانت تلك هي الفرصة التي استغلها فريق من المخربين ادمنوا أكل الباذنجان الاسود لذلك ارتفعت اصوات لتتساءل بريبة: ولماذا الآن؟ ولتشيع ان المؤتمر كله, هو لعبة الهدف منها تلميع وجه مكرم محمد احمد, حتى يجدد مدة رئاسته للنقابة, وكان البحث عن مكان ملائم يكون قريبا من مقار المؤسسات الصحفية, وتتوفر فيه قاعات تصلح لعقد الجلسات العامة للمؤتمر ولجانه قد انتهت بنا الى اختيار مقر الحزب الوطني بكورنيش النيل لهذا الغرض, فاذا بهم يعترضون على هذا الاختيار, بدعوى انه سوف يفقد المؤتمر استقلاله ويضعه تحت وصاية الحكومة. ولأن هذه الاعتراضات كانت تفتقد للمنطق, وتنطلق من رغبة في التخريب من اجل التخريب, فقد كان من المستحيل اقناع هؤلاء بأن الاعداد للمؤتمر قد بدأ قبل الانتخابات ولا صلة له بها, وان اختيار مكان انعقاده كان لأسباب عملية محضة, وان الصحفيين ليسوا اطفالا حتى يفقدوا استقلالهم بمجرد دخولهم مبنى أي حزب, وان حضور مندوبين عن الحكومة, او حتى عن الحزب الوطني للمؤتمر, ضروري لأن الحكومة طرف في مشكلات الصحافة, ولأن المؤتمرات تعقد عادة بين اطراف في مشكلة, بهدف تكوين وجهة نظر مشتركة حول سبل مواجهتها. لكن جماعة الصحفيين ما لبثت ان اقتنعت بسخف ما يقولون وتصاعد حماسها للمؤتمر, الذي انعقد, ونجح في أن يكون وجهة نظر مشتركة بينهم, حول سبل مواجهة مشكلات الصحافة, وكانت توصياته وقراراته هي اقوى حجة استندوا اليها في رفضهم للقانون 93 لسنة 1995, حين صدر بعد ذلك بعدة سنوات, وهو ما دعى النقيب ابراهيم نافع, للتحمس لاقتراح بالدعوة لعقد المؤتمر الثاني, وهو المؤتمر الذي رفعوا فيه شعار المطالبة بالغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم الصحافة والنشر وتدارسوا فيه مشروع قانون بديل للصحافة كان هو الأساس الذي تفاضوا انطلاقا منه, مع بقية هيئات الدولة, فالغى القانون 93, ليحل محله القانون الحالي للصحافة, الذي تضمن عددا مهما من مواد المشروع الذي اتفق عليهم الصحافيون في مؤتمرهم. وشاع شعار (الغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم الصحافة والنشر) حتى اصبح اشبه بضمير جمعي للصحفيين المصريين, وما لبث ان انتقل للصحفيين العرب, فتبنوه, وألحوا عليه, واستجابت تونس لهم فألغت هذه العقوبات. وعندما التقيت بوزير الثقافة فاروق حسني لأول مرة في مثل هذا الوقت من العام الماضي, تطرق الحديث بيننا, الى الطريقة التي تتناول بها الصحف قضايا الثقافة, فقال الوزير انه يجد صعوبة شديدة في التعرف على الاتجاهات الحقيقية للرأي العام بين المثقفين, اذ يندر ان تجتمع مجموعة منهم حول رأي واحد, وان كثيرا ممن ينشر من آراء حول مشكلات الثقافة في الصحف, يفتقد للمعلومات ويتسم بالخفة, وفي بعض الاحيان يفتقد لحسن النية, ويهدف احيانا الى ابتزازه, او ابتزاز احد معاونيه, فاقترحت عليه ان يدعو لمؤتمر للمثقفين, يتحاورون مع بعضهم البعض, ومع الهيئات الحكومية ذات الصلة بمشكلات الثقافة, حول كل قضايا العمل الثقافي, وذكرته بما فعله الدكتور (ثروت عكاشة) ــ شفاه الله ــ عندما دعي, عقب عودته لوزارة الثقافة عام 1966, الى اربعة مؤتمرات ــ او بمعنى ادق جلسات استماع ــ للسينما والمسرح والكتاب والفنون التشكيلية, استمع خلالها الى اراء مثقفين بارزين في هذه المجالات, استفاد منها في وضع خطط وزارته وفي تصحيح مسار العمل الثقافي. واستطردت استعرض أمام الوزير تجربة مؤتمر الصحفيين كاملة, من حيث الاهداف والتنظيم, والنتائج الايجابية التي تحققت.. ولم يبد الوزير حماسا للفكرة لكنه لم يعارضها, وقدرت أنه ربما يكون في حاجة الى وقت لدراستها, او لاستشارة اخرين فيها, وبعد شهور أعدت فتح الموضوع, اثناء جلسة عمل كانت مخصصة لمناقشة التوجهات العامة لجريدة (القاهرة) اقترحت فيها ان تكون الجريدة, منبرا لادارة الحوار بين جماعات المثقفين, وبينهم وبين السلطة الثقافية, ومنبرا للدعوة لاحياء العمل الجمعي بين النخبة المثقفة في مصر, ولحفزها على انشاء منظماتها المستقلة, وبعد مناقشة حول الاقتراح, شجعتني موافقة الوزير علىه لأن أعيد طرح اقتراح المؤتمر, وقال الوزير, انه يفكر في الأمر. وفي سبتمبر الماضي, دعاني مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة (الاهرام) بصفتي الصحفية, لحضور لقاء بين عدد من خبراء المركز, والوزير فاروق حسني, دار فيه الحوار, حول موضوع الاستراتيجية الثقافية, حيث طرح المشاركون في الحوار رؤاهم, وكانت كلها تدور حول البحث عن صيغة تنظيمية للحوار بين المثقفين المصريين في المؤسسات الحكومية وفي منظمات المجتمع المدني, حول مشكلات العمل الثقافي ورؤاه, ووجدت في كلامهم حيثيات كافية لمشروع المؤتمر, فأعدت طرح الفكرة, وأعلن الوزير موافقته عليها. وبعد اسابيع من ذلك وصلتني دعوة لحضور اجتماع لجنة تضم فريقا من ابرز المثقفين للبحث في طريقة تنظيم واعداد هذا المؤتمر.. وكانت مناقشة عميقة, ومحترمة, على الرغم من تباين وجهات النظر بين المجتمعين, الذين شغلوا بالمناقشات عن تناول اطباق تتضمن قطعا صغيرة للغاية من حلويات رمضان, تنتمي ــ وخاصة الكنافة ــ للمذهب الرمزي في الفن, ما كدت أراها حتى دعوت الله ان يجنب مشروع المؤتمر, مصير جمعية سعد وهبة, فلا يبدأ بالكنافة وينتهي بالباذنجان الاسود. وما كادت الاخبار الاولى عن عقد المؤتمر تنشر, حتى ازعجت افرادا اسرعوا يشهرون اسلحة التخريب الشائعة وينشرون حكايات مضحكة من نوع ان الوزير ابتدع فكرة المؤتمر, كوسيلة لتلميع صورته, وان هناك صراعا داخل الوزارة حول الموضوع وان المثقفين ينوون مقاطعة المؤتمر. ولن يلوم احد وزير الثقافة لو أنه سد الباب الذي يأتي منه الريح ليستريح, فتخلى عن فكرة عقد المؤتمر, التي لم يسع اليها, بل كان الذين اقترحواها, والذين اقنعوه بها عناصر من المثقفين انفسهم, وكل ما فعل هو انه استجاب لمطلب, ألح اصحابه عليه في قبوله ولن يضر ذلك الوزير في شيء, فهو يتولى منصبه ويبقى فيه, باعتباره عضواً في السلطة التنفيذية التي يتولاها رئيس الجمهورية, وهو مسئول امام مجلس الشعب, وليس امام جماعة المثقفين التي لا وجود لها ولا رأي واحد يجمعها ومن الحماقة ان يتصور احد, انها قادرة على ان تلمع وزيرا او خفيرا! المتضرر الوحيد من ذلك, هو جماعة المثقفين, الذين تحولوا الى شراذم, عاجزة عن ان تفعل شيئا, او تؤثر في مجتمعها, بسبب هؤلاء الذين لم ترفع قاماتهم, ولم يتسع نفوذهم, ولم يصبح لهم تأثير الا بفضل هذا التشرذم لذلك يسعون لتوسيع نطاقه, ويقاومون اي محاولة لعمل مشترك بين المثقفين, ولا يهدأ لهم بال, الا قضوا عليه, وحولوه الى كنافة بالباذنجان الاسود. فهل ينجحون هذه المرة؟ هذا ما اشك فيه!