عقب فوز جورج بوش الابن بالانتخابات الأمريكية, بدأ على الفور في عملية اختيار وزرائه ومساعديه, ومن ثم فقد بدأ يظهر اسم كوندليسا رايس, وهي السيدة التي تسلمت الكرسي الأكثر خطرا في الادارة (الجمهورية)، الجديدة في البيت الابيض. وبعيدا عن كونها امرأة وسمراء من اصول افريقية, الأكيد انها امريكية تملك عقلا يؤهلها لأن تكون مستشارة للأمن القومي في الادارة الجديدة. رايس وزميل لها هو روبرت زويلك, الذي ربما سوف نسمع اسمه كثيرا في الادارة الجديدة منذ الان وصاعدا, نشرا مقالين منفصلين في مجلة الشئون الخارجية التي تصدر كل شهرين, وهي مجلة واسعة النفوذ في الدوائر المعنية بالشئون الخارجية الامريكية, وقد نشر المقالان ــ كل على حدة ـ في عدد يناير/ فبراير هذا العام, وتناول كل من الكاتبين في مقالته السياسة الخارجية الامريكية كما يجب ان يمارسها الرئيس الجمهوري الجديد. اما وقد فاز بالرئاسة الامريكية رئيس جمهوري, واصبحت رايس هي مستشارته لشئون الامن القومي, فان قراءة ما كتبته في عدد يناير/ فبراير من المجلة المذكورة, ومراجعة الأفكار التي قدمتها ورفيقها روبرت زويلك اصبحتا تكليفا وواجبا, من أوليات المتابعين للشأن العام, لما سوف تتمخض عنه القراءة من رؤية واستكشاف لسياسة الادارة الجمهورية الجديدة خاصة فيما يتعلق بمنطقتنا العربية. المقالان طويلان. ويتضمنان تفاصيل كثيرة, وضرورة العودة اليهما نابعة من حقيقة ان القابض على مقاليد البيت الابيض ــ شأنه شأن كل العقلاء ــ لا يعتقد ان الحقيقة والحكمة هما من الامور المقصورة عليه ولا توجد الا في عقله, كما لا يظن انه وحده يحتكر اليقين والمعرفة بكل الامور, وأن جوهر كل شيء وابعاد كل شيء وخفايا كل شيء لا توجد الا بين عظام جمجمته فقط, وهو الامر الذي يؤمن به الحمقى والدكتاتوريون, اما الحاكم الديمقراطي فهو يؤمن ــ مثل كل الديمقراطيين ــ بأن الحوار مع الآخرين لا سيما المختصين هو ــ وحده ــ الذي يوصل الى الحقيقة, خاصة ان كانت متعلقة بشئون لها خطرها ولها تأثيراتها في العالم والناس. انطلاقا من تلك الحقيقة فان ما كتبته كوندليسا رايس وزميلها الجمهوري يستحق ان يقرأ بأناة ويفحص بوعي, لأنه من المحتمل ان يتحول الى سياسة رسمية تفرض آلياتها في القادم من الايام. مركز الحديث في المقالين هو اعادة تحديد ما يسمى بـ (المصالح القومية للولايات المتحدة) ذلك ان هذا التحديد هو الأساس الذي تبنى عليه السياسة المستقبلية لواشنطن, وهو المحور الذي تدور حوله عجلة هذه السياسة, ومن ثم تتحدد الصورة التي ستكون عليها الولايات المتحدة في عيون العالم في الفترة المقبلة, ولأن هذه المصالح القومية الامريكية يصعب تحديدها, خاصة بعد غياب المتحدي الأكبر والرئيسي لهذه المصالح, وهو الاتحاد السوفييتي السابق, فان اعادة صياغة مفهوم جديد لـ (المصالح القومية الامريكية) لا تمثل فقط مهمة جسيمة امام المعنيين بها, بل هي ايضا تمثل نقطة الانطلاق لرسم السياسة الامريكية على خريطة العالم, وبالتالي فهي التي تحدد ابعاد الدور او الادوار التي ستضطلع بها الولايات المتحدة على هذه الخريطة, مما يسهم في رسم الصورة التي ستكون عليها واشنطن في عقل العالم قبولا ورفضا, رضا وسخطا. فهذا العالم ــ على حد تعبير رايس ــ يشهد ثورة عارمة في وسائل الاتصال تحملها تقنية غير مسبوقة غيرت من قواعد اللعبة الدولية, وهو عالم يعتمد على فلسفة الاقتصاد الحر وممارسة الديمقراطية بما فيها حقوق الانسان, ومن هنا لم يعد التحدي القائم أمام الولايات المتحدة, هو الاتحاد السوفييتي القديم الذي كان واضحا, من فلسفته وممارسته, انه يتناقض ــ جذريا ـ مع المبادئ الفكرية والفلسفة الاقتصادية التي تبناها الغرب وبشر بها, اما الثورة الجديدة فهي تتجاوز, بل وتتجاهل (الحدود الوطنية), وكلما تصاعد التنافس في مجال الاستثمار الرأسمالي في العالم, واجهت الدولة (القومية) خيارات صعبة تجاه سياستها الاقتصادية وخياراتها الاجتماعية, واضطرت الى السير في مسار التوجه العالمي, وهو المسار الذي يمضي قدما وحثيثا باتجاه مزيد من الحرية الاقتصادية والديمقراطية السياسية على اختلاف درجاتها. في عالم كهذا ــ تقول رايس ــ وجدت الولايات المتحدة نفسها ذات تأثير اقتصادي متنام, يترافق معه نفوذ دبلوماسي, ومن ثم فالخطوة الاولى التي تطالب بها رايس رئيس الجمهورية الجديد هي (تحديد الخطوات العريضة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية, لتتسق مع موقفها المتميز عالميا). فقطار الانفتاح الاقتصادي وتنامي الحريات يسير بسرعة فائقة, في عالم القرن الواحد والعشرين. وترى رايس ان بعض البلاد تضع رجلا في هذا القطار ورجلا اخرى في مكان اخر, وهذه البلدان مازالت ترغب في وضع قيود او شروط على الديمقراطية, كما ترغب في فرض نوع من السيطرة يتفاوت في مساحته على التطور الاقتصادي, وبعضها الآخر لايزال يتغذى على الكراهية التارخية فرارا من متطلبات التحديث الملحة. ولأن الولايات المتحدة في الجانب المحق من التاريخ, فان عليها في هذه البيئة السياسية ان تساعد على نشر الديمقراطية وان تنمي التوجهات الايجابية وتفرق بين المهم والهامشي. ولأن ادارة الرئيس بيل كلينتون افتقرت الى اي تصور شمولي لسياسة خارجية مبنية على أهمية المصالح والمبادئ الأمريكية, فقد تعاملت مع كل قضية دولية معزولة عن سياقها العام, فتعاملت مع الأزمات, بكيفية مجزأة: ازمة بأزمة ويوماً بيوم. وترى رايس ان السياسة الجديدة او المقترحة تحتاج الى شجاعة وانتقاء, حتى لا تبقى رهينة (كشيء لكل الناس, ولضغوط جماعات المصالح) وهو الأمر الذي يؤيدها فيه في المقال الاخر روبرت زويلك عندما عدد الاخطاء الخمسة للسياسة الخارجية في ادارة كلينتون, فوضع من بينها انها تستجيب لاستطلاعات الرأي العام بدلا من ان تضع (المصالح العليا للولايات المتحدة في حسابها). وتحذر رايس من اتباع سياسة تغيب فيها المصالح القومية الامريكية, لأن هذه السياسة تقود ـ حينئذ ـ اما الى ارضاء الجماعات المطالبة بالانسحاب من العالم (الانعزاليين) واما الى خلق فراغ تملأه جماعات الضغط لتحقيق مصالح خارجية خاصة بها. لذا تؤكد رايس على دور المؤسسة العسكرية الأمريكية التي ترى ــ كما يرى زميلها زويلك ــ انها في حاجة الى دعم مالي وتقني, فشلت في ان تحققه الادارة الديمقراطية, في الوقت الذي نشرت فيه هذه الادارة (الديمقراطية) القوات المسلحة خارج الولايات المتحدة عددا من المرات هو الأكثر منذ خمسين عاما. كما اهملت الميزانيات والتدريب و الصيانة والمهمات, بل الأكثر من ذلك ان رواتب العسكريين قد انخفضت بنسبة خمس عشرة في المئة من متوسط الرواتب في القطاع المدني, لذا فان رايس, مثل زميلها, تؤكد على أهمية تأهيل القوات المسلحة الأمريكية تأهيلا جديدا, بالاضافة الى اصلاح طويل الامد كي تستطيع هذه القوات معالجة التحديات الكثيرة التي تواجهها في العالم, وخاصة في المناطق الساخنة. ولا سيما ــ في رأيها ــ المحيط الهادي والشرق الاوسط, والخليج وأوروبا على التوالي. وفيما يتعلق بالخليج هناك امور لها أهمية خاصة, حيث ترى رايس ان ثمة مهمة في هذه المنطقة شديدة الحساسية لم تكتمل, ويتعين على الولايات المتحدة ان (تعبئ كل المصادر لاقتلاع النظام في العراق) الذي يسير ــ حسب رأيها ـ ضد سيرورة التاريخ. ففي الوقت الذي يسير فيه العالم نحو الديمقراطية واقتصاد السوق والانفتاح الاعلامي يجبر النظام الحاكم في العراق بسبب اصراره على سياساته العدوانية, يجبر شعبه على العيش في ظل معاناة قاسية بين الفقر والجوع والخوف, وهي السياسة التي تتوقع (رايس) الا تتغير في المستقبل. الحديث عن استخدام القوة الأمريكية ليس مطلقا, كما ترى رايس, فالقوة العسكرية يجب الا تستخدم الا من اجل تحقيق اهداف سياسية واضحة, وتحارب من اجلها بقوة, والا تستخدم القوة العسكرية من اجل الوصول الى حلول سياسية في وقت ما خلال طريق الصراع العسكري كما يجب الا تستخدم من اجل (التدخل الانساني) وان كانت تسارع فتعترف بأن القضايا الانسانية نادرا ما تكون قضايا انسانية بحتة, فانتزاع الحياة من الناس, او منع الغذاء عنهم, او ما يشبه ذلك, هي دائما تندرج في اطار العمل السياسي, ولكن مع ذلك تؤكد رايس ضرورة الا تستخدم القوة العسكرية الامريكية في (الشأن الانساني) الا بالقدر النادر القليل والمحدود. تدعو رايس في مكان آخر من مقالها الى بناء تحالف قوي مع الحلفاء, فهي ترى (غامزة من قناة كلينتون) انه يجب الا يطير رئيس امريكي الى الصين وكوريا الشمالية دون ان يمر بطوكيو وسيؤول, فالحلفاء يجب ان يناصروا دائما والا يبدر من واشنطن أي تجاهل لهم. على عكس رايس التي تحدثت طويلا عما يجب ان تكون عليه السياسة الامريكية تحت حكم الجمهوريين, تحدث روبرت زويلك عن قصور خماسي الرؤوس للسياسة الخارجية في العهد الديمقراطي, وتتقاطع الافكار بين الجمهوريين العتيدين, كما تتقارب في الكثير من التوجهات والرغبات, مما يؤكد اننا بصدد تدشين, سياسة خارجية أمريكية جديدة ونشطة, وهي سياسة نتوقع ان تسير طبقا لما يحدده البيت الابيض لمفهوم المصالح القومية الأمريكية, على اتساع المصطلح وغموضه, وان هذه السياسة ستكون بالتأكيد سياسة مختلفة عما كانت عليه في السنوات الثماني الماضية, ان لم يكن من حيث الأهداف فمن حيث الوسائل على الاقل. ومهما يكون من أمر السياسة الامريكية الجديدة, فاننا لا نتوقع ان تكون مطابقة لتلك التي رسمها المحللون والمعنيون, حتى من المنتمين للمعسكرين الديمقراطي والجمهوري, حين كانت المعركة الانتخابية على اشدها, ذلك ان السياسات عندما يتم انزالها على الارض لتطبق في دنيا الواقع يكون الامر مختلفا بالضرورة عن التنظير. ولكن من العقل ان نتوقع ان شيئا ما من هذه الأفكار سوف يجد طريقه الى التطبيق, وانه سيوضع موضع الممارسة والتفاعل خاصة اذا تعرفنا أكثر على افراد الادارة الجديدة في قمة السلطة الامريكية العتيدة, وهم حتى الآن ــ على الأقل ــ متقاربون في الأهداف والوسائل.