منذ الصغر تربينا على أنشودة يرددها بعض أئمة المساجد يعبِّر بها عن وداع هذا الشهر الذي يصعب فراقه على القلوب التي فرحت بقدومه. تتحدث مع البعض عن مشاعر الوداع فيرد عليك: لا تقل وداعا ولكن قل الى اللقاء, فبين الوداع واللقاء بهذا الشهر اعمال قدمت ومشاريع انجزت وأمان راودت نفوس من لم يتمكن من حسن استقبال هذا الضيف الذي بدأنا نتهيأ لوداعه من بعد العشر الاواخر. ترى نودّع الشهر أم يودعنا, ما الفرق بين الحالين؟ الاصل ان يعيش المسلم امل اللقاء بمن يجد بين ثناياه الخير العظيم, نتحسر كثيراً, عندما نشعر بأن التقصير يطوق اعناقنا لان المطلوب منا عمله لم يصل الى الكمال المقدور عليه. عندما تعجز الاجسام عن بلوغ الاماني الكبار, فإن العذر مقبول, ولكن شأن رمضان لا علاقة له بالاجسام لانه من حديث الروح والقلب ــ هما ـ يحملان الاجسام الضعيفة على بذل المزيد في طاعة الرحمن الذي هيأ لنا جوا ايمانيا لا يعد له مثيلا في بقية اشهر السنة. عندما تحين ساعة الرحيل يستجمع الانسان الامكانات التي كانت متوفرة لاداء عمل افضل أو أكثر ولكن انهزام الروح حال دون بلوغ المرام. تقع عيناي في عين امام مسجد الحي والدموع تنساب على لحيته وهو يكرر عبارته المعهودة التي لم يمل من تكرارها لسنوات تزيد على الثلاثين والعبرة تأخذ من قلبه والكلمات تخرج من بين شفتيه مهزوزة (الو.. دا.. ع, يا.. رمضا..ن.). وحتى لا تنقطع خيوط الامل في لقاء متجدد مع هذا الضيف الراحل عنا لسنة مقبلة, ندعو الله تعالى أن يعيد علينا رمضان لاعوام مديدة وسنين عديدة. وهكذا وبعد أن انتهى الشيخ من انشودته وكعادته دعا الناس الى وليمة خفيفة يختم بها نفحات رمضان المتواصلة في قلوب من تلهج السنتهم بالدعاء: اللهم بلغنا رمضان ولا تجعلنا من الذين يودعونه. E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae