اكتشفنا ــ كاتب السطور ــ أننا لا نكاد نأكل في بيتنا على مدى النصف الثاني من شهر رمضان. ثمة موائد ومناسبات وأعراف استجدت أو تعمقت أو توسعت في مصر, وربما في أقطار عربية شتى يفاجأ المرء فيها بدعوات ، تتقاطر عليه من طرف جمعيات وتجمعات ومؤسسات من كل حدب وصوب كي يشارك أهلها في افطارهم الذي يتم تحت مسميات وشعارات مختلفة ما بين افطار الوحدة الوطنية.. الى افطار مؤسسة (البيان).. مكتبها العتيد في القاهرة.. الى افطار جمعية أساتذة علم الادارة.. الى افطار دار صحيفة قاهرية.. أو دار نشر أو نقابة عمالية أو مهنية.. الى افطار بغير لافتة ولكنها دعوة سخية الى مآكل سخية.. وعليك أن تقبلها شاكرا.. وتحضرها مبكرا.. وتعايش وقائعها مبتسما وقد أجلسوك في غالب الأحيان الى مائدة لا تعرف من أفرادها الطاعمين الشاربين أحدا.. ثم عليك أن تمكث قليلا الى ما بعد الافطار فقد يحلو للقوم أن يفتحوا منصة لالقاء خطب وكلمات تدور حول نشاطهم وقد تطرح بعضا من مشكلاتهم.. وبعدها تغادر المكان ممتنا لتلحق بأول وسيلة توصلك الى حيث مخدعك تأوي اليه ساعة زمن تريح فيها المعدة المهيضة بعد نضالها الجليل الدؤوب في استيعاب ما قدموه لك من صنوف المأكل اللذيذ. ويعلم الله كم ظللنا نحدث النفس بأن نعتذر مع خالص الشكر, وعظيم الامتنان, عن قبول مثل هذه الدعوات.. هي أولا تقطع الطريق على استمرار نوم العصر الذي يحلو للصائم أن يستمتع به وقد يشرد في نومته الى أن يوافيه صوت المدفع وترتفع عقيرة المؤذن معلنا حلول المغرب فإذا بالسيد النائم ينهض الى مفاجأة سارة بغير جدال وهي أن حان موعد الافطار (لم تطق كبيرة مذيعات التلفزة في القاهرة صبرا فأعلنت لجماهير مشاهديها أن حان أيها السادة موعد أذان.. الإفطار.. قالتها في ثقة محسودة عليها.. ودون أن ترف لها رموش صناعية أو طبيعية). ولقد وصفنا النائم المذكور أعلاه بأنه (السيد) ويخيل الينا أنه يستحق لقب (سي السيد) الذي زرعته عبقرية العم الكبير نجيب محفوظ في الوجدان العربي المعاصر تأسيا بشخصية السيد أحمد عبدالجواد تاجر الصنادقية في قاهرة المعز العريقة في ثلاثية (بين القصرين) ونعني بالسيد أو سي السيد جناب الرجل في رمضان.. ولسنا ندري من الذي منحه هذا الحق الذي يخول له أن ينام ملء جفنيه عن شواردها في ساعات العصر الى حيث قرب المغارب الساعات البنفسجية كما يقول ادباء الفرنجة بينما تظل سيدة البيت ومساعداتها إن كان لديها هذا الصنف من الناس أو بناتها تظل عضوات هذا الجنس الناعم كما يسمونه حبيسات المطبخ عاكفات جزاهن الله ألف خير على العديد من القدور والصواني والصحاف والدوارق.. ويتحملن سحابات البخار والدخان وروائح السلق والشوي والتحمير والقتار (القتار هو الرائحة الذكية بطبيعة الحال تصاعد من البخور والعود وقتها أيضا ربما على سبيل التخصيص اللذيذ هي رائحة اللحم اذا ما سطعت رائحته.. كما يقول القاموس في لغة اليعاربة الشريفة فتأمل بلاغة أن تكون رائحة اللحم اللذيذ ساطعة). ويزيد من معاناة المرأة في مطبخ رمضان.. أن تحاط بكل هذه الروائح الذكية.. الشهية.. فيما محبوسة ــ لها الله ــ في قيد الحرمان فلا هي تستطيع أن تذوق ولا أن تنعم بقطعة هنا أو قضمة هناك.. هي بحمد الله ونعمائه صائمة عن طعام تكلف على اعداده وتركيبه وتجهيزه لكي يكون سائغا.. طيبا ولذيذا وقد تصب بأناملها أطيب الشراب الحلال.. وهي عطشى ولا سبيل الى ارواء غلة الظمأ إلا بعد أن تغرب الغزالة الى خدرها.. ويرفع المؤذن أذان.. الافطار.. كما شاءت مذيعة قاهرية فصيحة أن تقول. فما أشد نفاق المجتمع المعاصر.. ومن قبله نفاق المجتمع المخضرم القديم صحيح أن المرأة يسعدها ولاشك أن تضفي عليها قلائد المديح.. وأن تزجي الى أسماعها قصائد الاطراء وأهازيج الثناء.. ألم يغمز شوقي بيك أمير شعراء زماننا من قناة النساء حين أرسل بيته الشهير: خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء وما كان لأحمد شوقي أن يذهب الى أن التي خدعوها كانت بعيدة عن الجمال فكل امرأة جميلة بصورة أو بأخرى أو هكذا نتصور إيثارا للسلامة باستمرار ولكن الشاعر الكبير ــ كما نحسب ــ كان يريد لو يدلل على أن من الثناء ما يخدع ومن المدح ما يغر ويصرف عن جوهر الحقيقة. أما الغواني ومفردها غانية فهي في الأصل ــ كما لعلك تعلم ــ المرأة المستغنية بجمالها الطبيعي وحسنها الرباني عما قد تتكلفه الأخريات من مساحيق الزينة وأدوات المكياج بالشئ الفلاني الذي ما برح يصب ملايين بل مليارات في خزائن دور التجميل في باريس. وقد استخدم الشاعر حافظ ابراهيم نفس اللفظة في قصيدته الشهيرة يصف بها مظاهرة النساء المصريات في عام 1919 وكانت حدثا غير مسبوق في التاريخ العربي وبدأ حافظ ببيت حفظناه جميعا استهل به قصيدته التي كانت شديدة الصعوبة على ألسنتنا لأنها على قافية نون النسوة, إذ نحن في سنى الطلب ورياضة اللسان الطفل أو الصبي على لغة العرب.. فقال: خرج الغواني يحتججن فرحت أرقب جمعهنه وقاتل الله الذين تحولوا بلفظة الغانية وهي ذات الحسن الطبيعي كما ألمحنا وتحول به لينصرف أو يكاد ينصرف الى حيث يشير الى ظلال الترخص في السلوك والتربح من الجمال.. ربما الى حد الزيغ والانحراف.. كأن يقال مثلا: ودخلت غانية باريسية.. أو أفسدته صحبة الغواني في المراقص والحانات.. الخ. ومع ذلك فالغواني يغرهن الثناء قالوا عن الواحدة منهن أنها سيدة القصر أو بالقليل القليل (ست البيت) والحقيقة أنها لم تهدأ أو تستريح بل تدور مثل نحلة هوامة حوامة في أرجاء نفس البيت تعمل وترتب.. وتوضب وتشذب ومهما زودتها بصنوف المعاونة فإن ادارة شئون زوج وبيت ومعيشة وعيال فيها القدر المرهق الكثير من نصب الجسم ووجع الدماغ. وعادوا يضيفوا عليها لقب (الجنس الناعم) وأي نعومة هذه في أن لا يهدأ لها بال وهي تعمل أو بالقليل تشرف على شئون مطبخ في رمضان الى أن يكون كل شئ جاهزا.. ولذيذا بينما يكون السيد السند من أهل الجنس الخشن هو ناعماويا للتناقض بقيلولة عصر رمضاني لا يقطع صفوها إلا أن يتعب الرجل نفسه أحيانا فيقرأ صحيفتنا الغراء وبها مثل هذا الذي نكتبه من سطور وله الشكر حينئذ والامتنان. ولقد أمعن أهل الجنس الخشن في الشطارة فاذا بهم يصطفون للمرأة الطيبة المناضلة, المهيضة المظلومة.. القابا ظاهرها الاجلال وباطنها الضحك على الذقون الناعمات طبعا. ألفاظا شاعت بين مشرق العروبة في مصر أو سوريا أو العراق وبين مغربها.. من قبيل الهانم.. الخاتون.. اللالا وقد يتفرنجون الى حيث لفظ المدام.. وقد يتفلسفون الى حيث الشعارات التي رفعتها وما زالت مؤتمرات المرأة التي نظمتها الأمم المتحدة وشاركنا كاتب السطور ولو بدور متواضع في سبك عباراتها بعد ترجمتها عن لغات الفرنجة ومنها مثلا تمكين المرأة.. النهوض بالمرأة.. دع عنك مصطلحا غريب الشأن تسلل الى قاموس السياسة العالمية على استحياء أو بغير استئذان ثم ما لبث أن استشرى وذاع واستقر وتمكن رغم أنه لا يزال مهجنا ومستغربا في كتابة هذه السطور.. وهذا المصطلح هو بالحرب (جِنْدر) ويعني حرفيا نوع الجنس من ذكر أو انثى.. ويعني في القاموس الدولي المعاصر.. مراعاة المساواة وتكافؤ الفرص بين البشر بصرف النظر عن (الجندر) أي بصرف النظر عن نوع جنس الفرد ذكرا كان أم أنثى.. رجلا أم امرأة وعندما سولت لهم نفوسهم أن يشتقوا منه أو يشتقوا له اسما مؤسسيا جامعا طلعوا علينا بلفظ الجندرة) وحين ثارت دماء الحمية اللغوية عند أهل يعرب المعاصرين خففوها لتصبح (البعد الجنساني) وكلاهما ــ كما ترى ــ ينطبق عليه المثل القديم المتعلق بالسيد شهاب الدين الذي هو أدهى وأنكى من السيد أخيه. ولسنا ندري.. كيف جنح بنا القلم كل هذا الجنوح.. بدأنا على نية أن نحكي لك عن حبنا للطعام وشغفنا الشديد, وهو شغف تاريخي تراثي موروث بأنواع المآكل والمشارب في رمضان.. وقادنا الحديث الى دعوات الافطار التي سعدنا ــ ولاشك ــ بأن تلقيناها شاكرين من مؤسسات شتى في القاهرة ولم نكذب خبرا بل نفذناها بكل دقة ودأب واخلاص.. وكنا نود لو فصلنا القول في مثل هذا الحديث عن الأكل.. ورائدنا في ذلك شاعر قديم وكبير هو ابو العباس ابن الرومي ولكن انتهى بنا الحديث الى حيث الظلم الذي تعرضت له المرأة في حياتنا.. بل الى سيرة أحد أبطال أمثالنا الذائعة والسائرة اسمه كما تعلم السيد شهاب الدين.