مع دخول المفاوض الفلسطيني قاعة (بولينج) الى جانب الصهيوني, ودخول سياسات عربية واجهزة اعلام ميدان التنافس والمقارنة والمفاضلة بين ارهابي من حزب العمل وآخر من حزب الليكود: باراك وشارون, ودخول الدم الفلسطيني وانتفاضة الاقصى في سوق المضاربات السياسية.. سوق العرض والطلب لتحسين شروط التفاوض او تسخين وجه المفاوضين, ندخل نحن الذين تعني لنا قضية فلسطين صراعا حتى التحرير, ويعني لنا الدم المراق على طريقها دينا في الاعناق ومشاعل تضيء طريق العابرين الى الاستقلال العربي الحق والحرية والخلاص من الاستعمار وهيمنته واشكال وجوده, ندخل دائرة محمومة من الاسئلة ودوامة من الاحباط والتحديات في آن معا. ومراهنة على النجاح في ان يكون لنا حضور وتأثير وموقف فعال او لا يكون. ان لقاء المفاوضين يعني هذه المرة اتفاقا مسبقا وليس استطلاعا لافق الاتفاق كما يشاع, واللقاءات السرية التي كانت تجرى تحت ستار الدم ونهره المتدفق تلك التي تمت بين عناصر من السلطة الفلسطينية ونظرائهم الصهاينة داخل فلسطين المحتلة وخارجها لم تكن لمجرد التوصل الى عقد لقاء استطلاعي في قاعدة بولينج الامريكية, وإنما كانت لبلورة اتفاق مع باراك يقايض الحرم القدسي الشريف بحق اللاجئين في العودة ويسمح بتصفية جسدية لأبرز عناصر القيادة في التنظيمات والمواقع الفلسطينية التي ترفض اوسلو او تتمسك بمبدئية الصراع, ويقتحم عليها الدم الفلسطيني المراق بأيد صهيونية كل لحظة من لحظات الوقت حاثا اياها على متابعة الجهاد حتى النصر, والثأر لمن قتلهم الاحتلال العنصري بدم بارد وحقد دفين مستمر التأثير. وعندما يطلع علينا المتفاوضون بقرار يسوغ ما تم في كامب ديفيد الثانية ويسوقه بتحسين بعض هوامشه فإنه سيعني الكثيرعلى طريق القضية, وسيعني الكثير الكثير بالنسبة للانتفاضة ومستقبل الصراع العربي الصهيوني, وسيعني اشياء بالنسبة للانتفاضة ومستقبل الصراع العربي الصهيوني, وسيعني اشياء بالنسبة للعلاقات العربية العربية, وللاقطار التي رفضت التنازل والتفريط, ورفضت مسارات تفاوض, وقالت بالمقاومة طريقا للتحرير, ولم تساوم على دور قومي من اجل استعادة موقع قطري وأراض محتلة ومصالح خاصة. كما انه سيترك اثرا كبيرا على بلدان العالم الاسلامي, وعلى الشعب في كل قطر عربي وفي كل موقع تعاطف فيه الناس مع انتفاضة الاقصى المباركة. والسؤال او الاسئلة الملحة تتعلق بنوع الاتفاق ومداه, بمصداقيته وديمومته من جهة, وبالموقف منه وممن يلتزم به من جهة اخرى. اذ من الواضح ان افضل الشروط التي تشير الى سيطرة فلسطينية على الاقصى وبعض الاحياء الفلسطينية في القدس وعلى غزة و95% من ارض الضفة الغربية, وعلى دولة منقوصة السيادة, محاصرة بالوجود الصهيوني سواء من مواقع الحدود او من المستعمرات او من المعسكرات والقوات الصهيونية التي تبقى مرابطة فيها ستقود الى تفريط بحق العودة, وتسليم شبه عام وتام (عربي واسلامي) بالاعتراف بدولة العدو وتطبيع العلاقات معها, ورجوع عن كل ما اتخذ من قرارات في القمم واللقاءات التي عجلت بها الانتفاضة واعادة الشعب العربي في قمقم السلطة في كل بلد والسيطرة على حركته. وتحت لافتات وقف الدم.. يتوقف النضال وتتم ملاحقة المجاهدين والرافضين لاتفاق اوسلو وللكيان الصهيوني ولاضاعة فلسطين وحق العرب والمسلمين فيها وفي مقدساتها. نحن امام امتحان.. وربما امام محنة او حلقة من حلقاتها في زمن الامتحانات والمحن العربية هذا. ونحن امام سؤال: ماذا يمكن ان نفعل, وكيف نفعل ما نريد, وكيف نقدم للانتفاضة مساندة عملية: مادية ومعنوية.. مثالية بالدرجة الاولى, حتى لا يبقى في دائرة شبه العتمة وشبه الصمود وشبه النضال: نطلب من الآخرين ان يستشهدوا لكي نتحدث عن الاستشهاد, ونطالبهم بالعمل من اجل التحرير ونحن لا نرفع معهم قشة ولا نزيد شيئا على الكلام؟! ان اعلان الموقف واجب, ولكنه مقدمة لتحرك يجعل من الموقف المعلن برنامجا وحركة تغيير ومواجهة فعلية للعدو ومناصرة حقيقية لمن نطلب اليهم رفض الاستسلام ومتابعة الانتفاضة واللجوء الى المقاومة المنظمة والمسلحة ضد الاحتلال بوصف ذلك مقدمة للاستنهاض ووضع الامة على طريق التحرير. ان ما قامت به الجماهير العربية من تحرك؛ حتى الآن اثمر بشكل ملحوظ, ووضع الانظمة امام وقائع في الشارع العربي وأمام استحقاقات وحقائق, ولكن تلك الصحوة الجماهيرية تطامنت وتراخت من جهة, وبدأ التفاف الانظمة العربية عليها من جهة اخرى.. والخشية اليوم من صعوبة استعادة الصحوة والحركة والمبادرة اذا ما اصيبت الجماهير باحباط ووضعت الانتفاضة في البورصة. وعلى قيادات الرأي, والتنظيمات المعنية بالتحرير وبرفض اوسلو واخواتها, وعلى الانظمة العربية التي تأخذ باحترام الثوابت والحقوق التاريخية والبعد القومي والمسئولية القومية عن قضية فلسطين, وعلى كل المناضلين والمجاهدين ان يستعدوا لمواجهة الكارثة المقبلة من (بولينج) وكامب ديفيد الثانية على اجنحة صهيونية وامريكية. ان العودة بالذاكرة الى الوراء قليلا تضعنا امام قراءة متجددة لوقائع واحداث, فقد دفعنا دائما ثمن الانتخابات الصهيونية وتنافس اليسار واليمين في الكيان الصهيوني دما عربيا, وقد حصدنا في كل المواسم التي كان فيها العمل حاكما او الليكود حاكما زؤاما وتجرعتا غصص الموت, وقد تبين لنا بعد الخوض في برك الدم والدموع ان اليمين واليسار, باراك ونتانياهو بيجن ورابين, مائير وشامير.. الخ وجوه لعملة واحدة, وقيادات ارهابية دموية عنصرية لمشروع استعماري ــ استيطاني واحد يستهدف صمودنا وارضنا ومصالحنا ووجودنا.. ولسنا بحاجة الى مزيد من التجريب والاختبار. ان الدعوة قائمة ومفتوحة لاعلام عربي وسياسة عربية بأن تكف عن زج الامة في معارك صهيونية داخلية, وفي تقديم المحتل الصهيوني شريكا في الوجود ووجها يحمل وجهة نظر ومن حقه علينا ان نقبله بوصفه مخالفا لنا في الرأي والرؤية على ارضية احترام حق الآخر في الاختلاف ومعطيات العصر, والديمقراطية العولمية, ومراعاة منطق القوة الذي يحكم قوة المنطق كما يحكم الارادات والتوجهات والاختبارات ويقدم واقعا يصعب تغييره او تجاوزه. ان سياسة التثبيط والاحباط والاجهاض لكل بارقة امل وصحوة قلب وعقل تمر في الشارع العربي هي اول ما ينبغي ان نواجهه وننبه الى مخاطره ونتصدى له بكل الوسائل , وقد يأتي هذا من انظمة واعلام عربي وثقافة منحازة لاختيارات لا نقبلها, ولكنه يأتي حكما من اعلام العدو والاعلام الامريكي المتحالف مع العدو ومن اعلام ومصادر سياسة ورأي أوروبية كانت وما زالت رديفا للسياسة الامريكية في المنطقة وراعيا للمشروع الصهيوني او غارسا له او حريصا على بقائه. وهنا تفرض معركة الثقافة حضورها وترتب تبعاتها وتدعو الى الاستعداد لها واذا كان صف العدو وحلفاؤه وانصاره والمتعاملون معه من العرب سوف يتوحد خلف سياسة, وسيتابع العمل لتنفيذ برامج وسياسات وتصفيات بأشكال مختلفة, منها التسلل الى اوساط المعسكر الآخر والفتك فيها من الداخل, كما تفعل فرق الاقليات والمستعربين التي يوظفها الموساد وجيش الاحتلال في صفوف الانتفاضة والمقاومة, فإن السؤال ملقى على الصف الآخر المستهدف وصاحب الرؤية والمشروع المضاد والاختيارات البديلة.. لم لا يعمل ويستعيد وحدته, ويؤسس لقوته, ويقوم بمبادرات من شأنها ان تخفف من خسائره, وتحمي جمهوره, وتحشد الناس خلفه وتجعله قادرا على متابعة النضال ومستعدا للتصدي لما يواجهه من تحديات وامتحانات؟! ان كيان العدو الصهيوني الآن مهزوز ومثلوم, وجبهة اعوانه مخلخلة قليلا, واختراق صفوفه ممكن, وعلينا الا نترك فرصة من هذا النوع تفوتنا, بل تنقلب الى الضد فتفتك بعد زمن فينا, اذن نحن اهملنا العمل, وقللنا من شأن المخاطر واعطينا ظهرا للاحداث والاستحقاقات, وبقي شيء منا يفتك فينا من الداخل بفعل تراكم الاحباط, وتجدد الاختراق, ومثابرة معسكر الشر على هزيمة قدرة الخير والحق التي فينا. انني بالقدر الذي اخشى فيه على الانتفاضة وعلى خياراتنا من معسكر الاعداء والمتعاونين معهم اشعر بالاعتزاز والثقة ويكبر في قلبي الامل.. لأن ما تحقق حتى الآن سواء بانتصار المقاومة الوطنية في جنوب لبنان على جيش الاحتلال, او بما حققته انتفاضة الاقصى من انجازات معنوية ومواجهات وصحوة عربية واسلامية, واستعادة للارادة والثوابت, وبما تحقق من هزائم لتيار التطبيع مع العدو بمعناه الواسع والشامل, وفتح طريق المواجهة على حليفه الامريكي لالحاق الاذى بمصالحه ورفض بضائعه... الخ, لأن كل ذلك ليس قليلا, وهو مجرد مؤشرات على ما يمكن ان يحدث ويتنامى.. مما يدعوني الى القول بثقة وأمل: اننا قادمون, فإن دمنا ليس رخيصا وهدفنا ليس مشوشا او مشوها.. وإن النصر لنا.. وإن فلسطين كل فلسطين عربية.. وإن القدس دار آبائنا هي لنا, بكل ما تعنيه من رموز ودلالات وابعاد روحية وتاريخية وعربية واسلامية, وان النصر لنا مهما طال الزمن وكبرت التضحيات.