الولايات المتحدة شرعت في ترتيبات انشاء حركة التمرد المستقبلية في جنوب السودان. هذا هو المغزى الأرجح الذي يمكن أن يستنبط من الأخبار التي افادت هذا الاسبوع بأن امريكا أقامت جسرا جويا، لنقل أربعة آلاف صبي جنوبي في معسكر للاجئين في شمال كينيا الى الأراضي الأمريكية, وهذا التطور الخطير يجب ان يعيد الى دائرة الضوء فكرة انفصال الشمال المسلم العربي عن الجنوب قبل فوات الاوان. بالنظر الى دعمها المعلن لحركة قرنق وقواتها ماديا وسياسيا ودبلوماسيا وعدائها السافر للشمال السوداني فان نقل آلاف من الصبية الجنوبيين اللاجئين بواسطة الولايات المتحدة الى الاراضي الأمريكية لا يمكن ان يفسر الا بأنه مخطط لخلق جيش جديد من المتمردين اما لتوسيع وتقوية قوات قرنق او اقامة حركة تمرد ذات دماء جديدة قوامها صبية من جيل جديد سوف يبلغون مرحلة الشباب والرجولة عبر عمليات غسل دماغ امريكية مئة في المئة. ان من المؤسف حقا ان اقساماً من بعض النخب السودانية من الشماليين يخلطون في حمأة معارضتهم للنظام الحاكم في الخرطوم بين ما هو (تكتيكي) مرحلي وما هو استراتيجي ثابت في تعاملهم مع قضية جنوب السودان وحركة التمرد. ان ظاهرة التمرد الجنوبي التي انطلقت منذ ما قبل استقلال السودان في منتصف خمسينيات القرن الماضي ظلت تاريخيا عملا استراتيجيا ثابتا موجها من قوى خارجية محددة ضد الشمال السوداني ككيان يتميز بغلبة الثقافة الاسلامية العربية. وحركة التمرد الحالية بزعامة قرنق ليست سوى حلقة ضمن هذه الاستراتيجية. أجل ان الحركة تشن حربا ضد نظام الرئيس البشير. لكن لماذا ننسى ان الحركة بدأت أصلا قبل ست سنوات من وقوع الانقلاب الذي اتى بالبشير الى السلطة وان حربها شنت ايضا ضد ثلاثة انظمة شمالية سابقة على نظام الرئيس البشير نظام نميري والنظام الانتقالي برئاسة سوار الذهب والنظام الحزبي بقيادة الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني. لقد تعاقبت على جنوب السودان ثلاث حركات تمرد متتالية الأولى اندلعت كتمرد عسكري في عام 1955 قام به جنود نظاميون ضد ضباطهم الشمالية ومن ثم تحول الى مذبحة راح ضحيتها مئات من المدنيين الشماليين المقيمين في الجنوب. والحركة الثانية ولدت في الجوار الافريقي ــ في كينيا تحديدا ــ كتنظيم قتالي له ذراع سياسية تحت اسمي (انيانيا) و(سانو) على التوالي. وكان ذلك في اوائل الستينيات. والثالثة هي (الحركة الشعبية لتحرير السودان) حركة قرنق وجيشها التي برزت عام 1983, فهل تستعد الولايات المتحدة الآن لاطلاق حركة التمرد الرابعة بتبنيها اربعة آلاف صبي جنوبي كمقاتلين للمستقبل؟ ان ابرز ما في هذا السياق التاريخي ان هناك قوى خارجية محددة وقفت وراء كل من هذه الحركات: حركة 1955 كان وراءها مجموعة القساوسة الأوروبيين الذين كانوا يمارسون نشاطهم المسيحي في الجنوب آنذاك. وحركة اوائل الستينيات دخلت فيها اسرائيل على الخط جنبا الى جنب مع مجلس الكنائس العالمي. أما حركة قرنق فقد كانت مولودا امريكيا تشارك في رعايته منظمات المسيحية العالمية.. بالاضافة الى اسرائيل. لهذا اخشى ان تبقى معضلة جنوب السودان بلا حل.. سواء ذهب النظام الحاكم الحالي او بقي لأن للقوى الخارجية اهدافا استراتيجية طويلة المدى تتعلق بتحجيم المد الاسلامي العربي في افريقيا, وضمن ذلك مسخ او تدمير الهوية الاسلامية العربية للشمال السوداني. وتأسيساً على ذلك لا أرى حلا عملياً سوى أن يقرر الشمال السوداني تقرير مصيره بنفسه.. قبل فوات الاوان.