اصبح من قبيل القول السائر ان جورج بوش فاز بالرئاسة من دون تفويض واضح بتولي الحكم. فهو قد هزم في الاقتراع الشعبي بفارق يزيد على نصف مليون صوت وفقد حزبه مقاعد في كل من مجلسي الشيوخ والنواب. ومن هنا فإن بوش وصل الى الرئاسة ليجد نفسه في مواجهة اختبار لزعمه الذي تكرر كثيرا بأنه (موحد لا مفرق). وفي حقيقة الامر فإنه بينما تشتعل النار تحت الرماد في كل من المعسكرين الديمقراطي والجمهوري كنتيجة للانتخابات التي احتدم فيها التنافس والفترة التي اعقبتها والحافلة بالتقلبات والتي امتدت طويلا ــ بينما هذا كله يحدث فإن استطلاعات الرأي الاخيرة توضح انه ما من قضايا ملحة تجتذب الرأي العام. ومن هذه الاستطلاعات على سبيل المثال استطلاع اوضح انه في مقدمة القضايا التي تحظى بالاهتمام بهامش كبير بينها وبين القضايا التي تليها قضية (توحيد البلاد). ولو انه كانت هناك رسالة تبرز من ناخب هذا العام فربما كانت هذه الرسالة ان الجمهور لم يستطع ولم يرد ان يختار بين قطبين متناقضين. وهكذا فإنه مع مجيء حاكم تكساس الى واشنطن باعتباره الفائز في الانتخابات فلابد له من ان يشق طريقه وسط حقول ألغام الانقسام الحزبي وان يسعى لتشكيل ادارة ولنسج علاقات عمل مع الكونجرس بحيث يتاح لهذه الادارة ان تحكم بكفاءة على امتداد الاعوام الاربعة المقبلة. وهذا الاختبار لن يكون اختبارا سهلا وكما اشار الكثير من المراقبين فإن تجارب جورج بوش في تكساس لن تفيده كثيرا في الرئاسة الامريكية وقد اشار مقال نشر مؤخرا الى ان جمع ديمقراطي تكساس وجمهوريها معا كان سهلا نسبيا حيث ان الديمقراطيين الذين ينتمون الى التيار الرئيسي بين صفوف ابناء تكساس هم محافظون بالمعايير القومية. وبالمقابل فإن القيادة القومية الديمقراطية لا تزال تشعر بالضيق من الطريقة التي انتزع بها بوش الرئاسة وهي لها جدول عملها الخاص. والديمقراطيون في كل من مجلس الشيوخ والنواب يضعون اعينهم على انتخابات 2002 ويعلقون آمالا كبارا على انه في ذلك السباق سوف يحصلون مجددا على ما يكفي من المقاعد ليكونوا اغلبية تسيطر على مجلسي الكونجرس. ومن هنا فإنهم سيكونون على استعداد للوصول الى حلول وسط مع بوش ولكن ليس فيما يتعلق بالمبدأ. وليس على حساب فقدان دوائرهم الانتخابية الاساسية. وسوف يكونون على قدر كبير من الحساسية فيما يتعلق بمخاوف الامريكيين الافارقة (الذين اقترعوا بأغلبية تزيد على 9 الى 1 لصالح الديمقراطيين). وكذلك مخاوف ذوي الاصول اللاتينية (الذين اقترعوا بما يزيد على نسبة 3 الى 1 لصالح الديمقراطيين) وايضا النساء واعضاء النقابات الذين اقترعوا بشكل كبير لصالح الديمقراطيين. وقد اعرب رئيس الهيئة البرلمانية للحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ توماس داشل مؤخرا عن استعداده للعمل مع الرئيس الجمهوري الجديد ولكنه اشار الى انه اذا تعرض للضغط فإنه لن يتردد في وقف المبادرات التي سيطرحها الرئيس الجمهوري الجديد ويحاول فرضها فرضا على مجلس الشيوخ المنقسم مناصفة بين الحزبين الكبيرين. والتهديد الذي يواجهه الرئيس الامريكي المنتخب من المحافظين في حزبه قد يبرهن في نهاية المطاف على انه تحد اكثر صعوبة. ذلك ان المحافظين في الحزب الجمهوري يشعرون بأن الجهد الذي بذلوه هو الذي دفع بوش الى البيت الابيض. وقد اعربوا بالفعل عن ضيقهم. وجاء في تحليل نشرته صحيفة لوس انجلوس تايمز مؤخرا ان بعض المحافظين قد اوضحوا: (ان بوش مدين برئاسته للحركة المحافظة الدينية التي بعثت من جديد) وقد ذهب كاتب هذا التحليل الى ان هذه المجموعة ليست على استعداد لقبول (مجرد الكلام) فيما يتعلق بقضاياها. واوضح الزعماء المحافظون الدينيون مثل بات روبرتسن وجيري فولويل هوية من سيتقبلونه ومن سيرفضونه في مقاعد الادارة المقبلة. ووعد جاري بوير وهو احد القادة اليمينيين الدينيين الآخرين بأن عاصفة نارية غير عادية ستهب) اذا ما عين بوش قضاة مساندين للاجهاض وغيرهم في المواقع الحساسة ممن يتسمون بأنهم ليسوا محافظين بما فيه الكفاية. وقد اعلنت احدى جماعات المحافظين البارزين بالفعل عن تكوين العناصر الضرورية لحملة علاقات عامة جمهورية جيدة التمويل يطلق عليها اسم مركز ادارة القضايا ويعرف اختصارا باسم آي إم سي. والغرض من هذا المركز سيكون دفع جدول اعمال المحافظين قدما, والقيام اذا ما اقتضى الامر ذلك بالضغط على الرئيس بوش وابعاده عن (خيانة القضايا الجمهورية). والصورة ليست مختلفة كثيرا في الكونجرس حيث تباهى الزعيم المتشدد توم ديلاي بأنه بسيطرة الجمهوريين الآن على البيت الابيض وعلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب فإنه لا يرى ما يمنع الجمهوريين من المضي قدما بقوة في تنفيذ جدول اعمالهم. وينذر هذا النهج الحزبي العنيف الذي طرحه توم ديلاي في التعامل مع القضايا السياسية بأن يتحول الى مشكلة صعبة بصورة خاصة اذا سعى بوش الى منهاج استيعابي في علاقته بالكونجرس. وتحديد توم ديلاي للعلاقات بين الحزبين وللمناهج المقترحة في الكونجرس من شأنه ان يوضح برنامج حزبه وسعيه لاكتساب ما يكفي من اصوات الديمقراطيين المحافظين لدعم هذا البرنامج. اما النهج الاكثر محورية الذي يفضله معظم الديمقراطيين والجمهوريين فهو السعي الى حل وسط اولا ثم اتباع برنامج يتفق عليه بصورة مشتركة. وحتى من دون جهود الرئيس الجديد فإن هذا النهج يتم اتباعه بصورة مستقلة من قبل ذوي الاتجاه المركزي في مجلس النواب الامريكي. وخلال الاسبوع الماضي فحسب قالت مجموعة مؤلفة من 26 عضوا في مجلس الشيوخ مقسمة مناصفة بين الحزبين الكبيرين بعقد اجتماع لاستكشاف امكانيات الوصول الى حل وسط. وكان جون ماكدين الذي خاض حربه الانتخابية ضد بوش في السباق الاولي على ترشيح الحزب الجمهوري لمن يخوض سباق الرئاسة ــ كان احد المجتمعين في هذا اللقاء. وقد اوضح ماكين انه يعتزم بذل جهد تشريعي خاص عابر للاحزاب للانطلاق بحملة شاملة لتمويل قانون اصلاحي. وقد عارض بوش هذا الاتجاه خلال الانتخابات ولكنه قد يواجه بأمر واقع اذا نجح ماكاين فيما يعتزمه. وفي مواجهة كل هذه التحديات بدأ بوش جهوده بدرجة من الحذر. وقد حظيت تعيناته الاولى لكولين باول في منصب وزير الخارجية وبول اونيل في منصب وزير الخزانة بالاشادة من كل من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء. وانما اعرب المحافظون المتشددون عن عدم موافقتهم الواضحة على مواقف باول حيال العديد من القضايا الاجتماعية وامتنعوا عن اصدار اي احكام على تعينات الادارة الجديدة محتفظين بانتقاداتهم للمناصب التي يهتمون بها اكثر من غيرها وهي مناصب المدعي العام والتعليم والدفاع. والعديد من اولئك الذين ساد الاعتقاد بأن بوش يفضلهم لهذه المناصب تراجعوا حيث انهم ما كانوا ليجتازوا تدقيق العناصر المحافظة. وبينما يواصل بوش الاصرار على انه سيمضي قدما بجدول اعماله بكامله مع الكونجرس فإن هناك مؤشرات مبكرة الى انه قد يلتزم ببعض الحذر في هذا المجال كذلك, وخلال الاسبوع الماضي فحسب اسند بوش الى نائبه ديك تشيني مهمة الاتصال بالكونجرس وهذا امر جديد بالنسبة لشاغل منصب نائب الرئيس ويؤكد ان دور تشيني في الادارة سوف يتجاوز دور آل جور في ادارة كلينتون وتشيني باعتباره عضوا سابقا في الكونجرس يحظى بالتقدير في دوائر الكونجرس ومؤهلاته ذات الطابع المحافظ معروفة جيدا كما ان مهاراته كشخصية سياسية بارعة في حل المشكلات معروفة كذلك. والسؤال الذي ينبغي ان يسعى تشيني للاجابة عليه يدور حول تحديد النجاحات المبكرة التي يمكن لبوش ان يحققها في المجلس. ومثل هذه النجاحات ستكون مهمة اذا ما اريد لرئاسة بوش ان ترسخ اقدامها. وقد اكتشف كلينتون هذا في وقت مبكر من رئاسته انه تم انتخابه على اساس برنامج اقتصادي واضح ولكن تم تشوشه مع اندفاع الآخرين الى فرض قضايا فرعية عليه بحسبانها اول تحد يطرح عليه. وقبل ان يستطيع التقاط انفاسه من هذا التشويش اطلق ازمات خارجية برؤوسها في هاييتي والصومال والبوسنة. وبوش بدوره سيتعلم ان الحقائق الواقعية الخارجية يمكن ان تحطم اكثر الخطط احكاما فهو يواجه تحديات هائلة فيما هو يبدأ رئاسته. ولكنه سيبذل قصارى جهده لتحديد جدول اعماله ولايجاد تحالف حكم سيعطيه تفويضا بالحكم يحل محل ذلك الذي حجبه عنه الناخبون. رئيس المعهد الامريكي العربي