ذكر ان جوزيف ستالين زعيم الاتحاد السوفييتي (سابقا) الشهير بجبروته وعناده وبطشه كان يمقت تيودور روزفلت رئيس الولايات المتحدة آنذاك. وفي احدى المفاوضات التي اشتركت بها بريطانيا, اشتكى روزفلت الى ونستون تشرشل, رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية, عدم احترام ستالين للبروتوكولات الدبلوماسية حيث حدث في اليوم السابق انه لم يقف احتراما لروزفلت عند المصافحة اليدوية. وفعلا تدخل تشرشل بوساطته منعا للاحراج والتوتر. ولكن ستالين العنيد أصرّ على موقفه, الامر الذي جعل من لقاء ستالين ورزفلت المقبل اشبه بقنبلة موقوتة. وبينما كان تشرشل وستالين جالسين دخل روزفلت بحاشيته عليهما, فاستدرك تشرشل المصيبة القادمة, فهمس ماكراً وبسرعة في أذن ستالين (انهض ثمة مصوّر صحفي مع الحاشية وسوف يلتقط الصور), عندئذ وقف ستالين معتداً بنفسه مع ابتسامته الدبلوماسية المصطنعة ليصافح بها روزفلت الذي ظن بأنه قد نجح في ترويض الدب الروسي واجباره على التعامل باحترام. اين تكمن الحقيقة يا ترى؟ هل هي فيما ظنه روزفلت ام في ابتسامة ستالين المزيفة التي صدقها الملايين ممّن شاهدوا الصورة؟ ام هي في جعبة تشرشل الذي خدع الاثنين حيث اوهم الاول بأنه ساعده في ثأره, وأوهم الثاني (ستالين) الذي اظهر له حرصاً شديداً على تلميع صورته الدبلوماسية ناصعة دون خدش أو اسفاف؟ ان الاجابة عن هذا السؤال ستكون مركبة ونسبية تماما. فكل يرى الحقيقة من زاويته. لكن وللأسف ان الحقيقة المطلقة (أو شبه المطلقة) استقرت في معالم الصورة وفي اذهان العالم والى الابد. اذن, يمكن القول بأنه على براعة الصورة الصحفية حيث تعادل في قيمتها ــ كما يقال ـ الف كلمة, فهي على ذات القدر الذي تعادل فيه زيف الف خدعة وكذبة. سيّما وأنه في كثير من الأحيان تأتي الكلمة منصاعة في خدمة الشكل اللحظي للصورة ليصار بذلك الى تخليد الشكل المزيف وغير الواقعي على حساب الحقيقة الدائمة في المضمون. وهنا بالضرورة تكون الكلمة وصفية وسطحية بعيدة عن التحليل وسَبْر العمق. فليذهب كل منا الآن ويعيد تصفح البومه الضخم من الصور, وينصب امامه محكمة وذاكرة خضراء يستدعي من خلالها المخبوء في النفوس ليحاكم بذلك الفارق الساخر ما بين شكل الشخوص ومضمون علاقتها ببعضها البعض. عندئذ لن يتبقى الا القليل من الصور التي تطابق الواقع, وغالبا ما تكون قد التقطت ايام الطفولة وتحديدا قبل ان نتعلم نطق الكلمة الانجليزية CHEESE وهي الكلمة التي يستنطق بها المصور الفوتوغرافي زبائنه لتبدو وجناتهم عريضة ومبتسمة واسنانهم متلألئة من الفرح. فمن منا يجرؤ على استعادة ذاكرته المصوّرة ضمن هذا الاطار من المحاكمة الواقعية؟ hani@albayan.co.ae