بابان من الأبواب التي قلّما تخلو مجلة عربية منهما.. تختلف العناوين والأسماء ولكنّ المضمون واحد والفكرة لا جديد فيها. ورغم رتابة وتشابه المادة التي يحويانها إلاّ أنني دائماً ما أتوقف عندهما وأنا أتصفح مجلاتنا العربية التي أصبحت أكثر من الهم على القلب.. وعن الهموم لا تسل, أما عن أسباب التوقف عند هذين البابين بالذات فالسؤال وجيه ومشروع وللجواب تفرعات وشروح قد تطول. الباب الأول هو (ركن التعارف).. ولاهتمامي به قصة تعود وقائعها إلى مرحلة توديع الطفولة واستقبال بواكير الشباب في وقت وزمن كان فيه لمجلة (سوبرمان) المصورة المكانة الأثيرة لديّ ولدى من هم في مثل سني في تلك الايام, وكان لباب التعارف في تلك المجلة سحر خاص جعل منه مقصداً للشباب والفتيات ممن كانوا يعيشون مرحلة الانتقال من عالم لم يعودوا يعترفون أنهم مازالوا فيه صغاراً مغمضي العيون. ولذلك فقد كانت الخطوة التي لم أتردد في اتخاذها ــ كما فعل الكثير من اقراني ـ هي إرسال اسمي وصورتي مع صورة مختارة بعناية سبقتها زيارات عدة للحلاق واستوديو التصوير حتى تم التوصل الى النتيجة المرضية.. ثم كان الحرص عند تعبئة القسيمة الخاصة بطلب الادراج في ركن التعارف على الكتابة بخط واضح في خانة الهواية (القراءة وجمع الطوابع ومراسلة الجنسين) حيث كانت الفتيات يتحفظن فيكتبن (مراسلة الفتيات فقط). وبعد قص القسيمة وارسالها بالبريد المسجل زيادة في الحيطة والحرص على ضمان الوصول كان الانتظار الصعب لموعد النشر في تلك الصفحة التي كان مكانها الجزء الأخير من المجلة, الأمر الذي أدى إلى تغيير عاداتي القرائية على النحو الذي غدوت معه أقرأ المجلة من آخرها, وأصبح الغلاف الأخير هو أول ما أرى من مجلتي المفضلة.. ومر الاسبوع الأول فالثاني ثم الثالث وليس ثمة ما يفرح القلب ويطفىء نار الانتظار ليأتي الفرج في الأسبوع الثامن الذي صدر فيه ذلك العدد التاريخي من مجلة (سوبرمان) متضمنا اسمي وصورتي في ركن التعارف لتبدأ مرحلة أخرى من الانتظار لرسائل الاصدقاء المنتظرين والصديقات المنتظرات, وتصبح زيارة صندوق البريد في منطقة (السبخة) بديرة طقساً يومياً غير قابل للإلغاء تحت أي ظرف من الظروف, ربما تم ذلك أكثر من مرة في اليوم الواحد, اما مفتاح صندوق البريد الذي كان من مقتنيات الوالد فقد تم الاستيلاء عليه واعفي هو بالتالي من مهمة المرور على مبنى البريد التي عادة ما كان يقوم بها مرة واحدة في الاسبوع أو مرتين على أفضل تقدير. وهكذا مر أسبوع ثم اسبوعان ليحمل الاسبوع الثالث أول تباشير الغيث, وكانت ـ لخيبة الأمل ــ رسالة من امارة مجاورة يبدي مرسلها رغبته في التعارف وتبادل الرسائل, ولم يكن مناسباً بطبيعة الحال رد (الفأل الأول) بمنطق اصحاب الدكاكين في تلك الايام فكانت الاستجابة لرغبته والرد عليه, أما الرسالة الثانية فقد جاءت بعد اسبوعين من الرسالة الاولى وكانت من أحد هواة المراسلة ايضا من دولة خليجية مجاورة. وبعدها جفّ نبع الرسائل ولم يعد هناك أمل في ورود رسائل اخرى بعد أن مضى على صدور العدد التاريخي من مجلة (سوبرمان) ما يربو على الشهرين, وهكذا وئدت فكرة المراسلة في مهدها, حيث لم يستمر تبادل الرسائل مع الصديقين المبادرين سوى شهور لم تزد على الثلاثة ليعتريها بعد ذلك الفتور وتنقطع, وإن كنت لا أزال أتذكر اسميهما حتى الآن رغم مرور ربع قرن على هذه التجربة المحبطة, الطريف في الأمر انني قد اكتشفت بعد ذلك ان احد الرفاق قد لجأ إلى فكرة شيطانية خبيثة جعلت الرسائل تنهال عليه من كل حدب وصوب حاملة طوابع البريد والعملات المختلفة ــ حيث سجل أن من هواياته جمع العملات ـ ناهيك عن الهدايا من عطور وسلاسل ذهبية وغيرها.. كل ذلك لأنه قد سجل في ركن التعارف بالمجلة نفسها باسم فتاة مستعار, ولم يفت عليه ان يذكر في خانة الهواية ايضا (مراسلة الجنسين) دون تحفظ. اما ردة فعلي حين عرفت ذلك فقد كانت اعتبار تصرفه هذا غشاً وخديعة وعدم أمانة بينما كانت تعتمل في داخلي كل أشكال الغيرة والغيظ والقهر والحسد وان كانت لم تخرج عن دائرة الطفولة البريئة التي لم تتسلل إليها بعد طبائع الكبار وشوائب الزمن وطحالب الحياة. واليوم عندما تطالعني صفحات (ركن التعارف) في المجلات اتساءل عما إذا كان مازال بيننا من يتبادل الرسائل عبر البريد في عصر الكمبيوتر والانترنت والبريد الالكتروني و(الجات) والهواتف الثابتة والنقالة, وهل ثمة من لديه وقت للجلوس كي يكتب رسالة في عصر اللهاث والسرعة هذا حيث لا وقت لشيء إطلاقاً؟ سؤال يلح عليّ كلما طالعت عيناي ركناً من أركان التعارف في مجلة من المجلات دون أن يفوتني المرور على خانة الهواية ملقياً ظلالاً من الشك على كل فتاة تنشر اسمها وعنوانها في هذا الباب عن تجربة. انه العقل الباطن الذي لا نملك حياله حولاً ولا قوة. أما الباب الثاني الذي يستفزني فنراه أحياناً تحت عنوان (رأسان في الحلال) وأحيانا (شريك العمر) وتارة (النصف الثاني) ومسميات اخرى تصب جميعها في مجرى نشر اعلانات الراغبين والراغبات في الزواج الباحثين والباحثات عن نصفهم الآخر عن طريق المجلات. هذا الباب يثير حيرتي ويجعلني أطرح السؤال عن جدية ما ينشر فيه, وهل يمكن ان يتم الزواج في مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص بهذه الطريقة العشوائىة؟ وبمعنى آخر هل يمكن أن يقوم انسان بشراء سمك في ماء؟ وهل تم تبسيط الزواج إلى هذه الدرجة كي يقوم رجل باختيار شريكة حياته من خلال أربعة سطور أو خمسة وأن توافق فتاة أو سيدة على مواصفات شريك حياتها من خلال هذه السطور؟ كل ما أرجوه هو أن يقوم الاخوة القائمون على هذه المجلات بعمل دراسة عن الزيجات التي تمت من خلال هذه الأبواب التي لا تخلو منها مجلة عربية, إذ ربما خرجوا بتحقيق طريف يغيّر من نظرتي التي قد يشاركني البعض فيها عن هذه الأبواب التي غالبا ما نقرأها من باب الفضول والتندر, وأختار لكم بعضا مما ينشر فيها مع الاعتذار عن نشر الجنسيات والتماس العذر من اصحابها مقدماً: ــ 30 عاما, حاصل على مؤهل متوسط, (متوسط الحال), على خلق ودين. ارغب في الزواج من فتاة (حددها من جنسيتين خليجيتين) لا يزيد عمرها على 35 عاما, (ميسورة الحال), متعلمة ومثقفة, (تقبل المشاركة في أعباء المعيشة), لا مانع إن كانت مطلقة أو أرملة. ــ 31 عاما, خليجية, حاصلة على الثانوية العامة, (جميلة جدا), صبورة وخلوقة, حنطية البشرية, (من عائلة عريقة وثرية), مطلقة وليس لي ولد, ارغب بالزواج من خليجي (حبذا لو كان مقيما في امريكا).. ميسور الحال, يتراوح عمره بين 31 و40 عاما, يقدر المرأة ويعاملها بالحسنى. ــ 23 سنة, عازب, الطول 170 سم, رشيق, يرغب في الزواج من فتاة عربية, خلوق, طيبة القلب, طويلة القامة, رشيقة, تحترم الحياة الزوجية, تقيم معه في بلده, بيضاء البشرة أو حنطية, عمرها بين 18 و23 سنة. ألا يذكركم ذلك بتلك النكتة الشهيرة عن المرأة الدميمة المتزوجة من أعمى التي كانت تردد على مسامعه ليل نهار (آه لو كنت مبصراً يا زوجي العزيز, إذن لمتعت ناظريك بحسني وجمالي) ليبادرها الزوج بعد أن طفح به الكيل قائلا: (وهل كان المبصرون يستركونك لي لو كنت جميلة يا امرأة؟!). فتيات وشبان بهذه المواصفات. هل يعقل ــ بالله عليكم ـ أن يجلسوا في بيوتهم بانتظار النصيب الذي لن يأتي إلاّ عبر هذه الأبواب؟! سؤال أرجو أن يجيبني عنه الاخوة المسئولون عن هذه الصفحات وأعدهم بأنني سأبقى قارئاً ملتزماً مواظباً على قراءتها مهما كانت الإجابة.