ليس لسوريا والعراق سبب موضوعي واحد للتورط في حالة عداء تقليدي.. ولهما ألف سبب للاندماج في تحالف استراتيجي بالنظر الى ان كلا منهما تواجهان اعداء استراتيجيين مشتركين. وكلما تأخرت دمشق وبغداد في اقامة تحالف بينهما كلما تصاعد واشتد عداء القوى الخارجية التي تتربص بكل منهما. في اطار صراع الشرق الاوسط هناك ثلاث قوى خارجية تقوم سياستها على ضرورة تعطيل سوريا والعراق عن القيام بأي دور راديكالي استقلالي على الصعيد الاقليمي وخاصة في نطاق الصراع العربي الاسرائيلي. هذه القوى هي اسرائيل والولايات المتحدة وتركيا.. وثلاثتها ترتبط استراتيجيا ببعضها البعض بما يخدم اهدافها المشتركة في ابقاء شعوب ودول الامة العربية مشتتة وضعيفة وعاجزة عن بلورة ارادة جماعية. اسرائيل ترى سوريا كقوة عربية مساندة لمنظمات المقاومة الفلسطينية ومنظمة (حزب الله) اللبنانية. ولهذا السبب فإن الولايات المتحدة كشريك استراتيجي للدولة اليهودية تصنف سوريا كدولة (راعية للارهاب) واسرائيل والولايات المتحدة تريان العراق كقوة عربية كبيرة ذات موارد ونفوذ يمكن ان تلعب دورا قياديا في حشد وتجميع كل القوى العربية التي تهدد بقاء اسرائيل ككيان. وتركيا ترى في كل من سوريا والعراق جارتين تزاحمانها في اقتسام مياه نهري دجلة والفرات بالاضافة الى انهما تمثلان قاعدتين محتملتين للقوى التركية المعارضة, الاسلامية وغير الاسلامية. سوريا والعراق اذن مهددتان في مصيريهما كدولتين مستقلتين وقوتين عربيتين بواسطة تحالف قوي يجمع قوتين غير عربيتين مع دولة عظمى غير عربية. هذه الحقيقة هي التي ينبغي ان تدفع بهاتين الدولتين الى انشاء تحالف استراتيجي. التحالف الاسرائيلي الامريكي التركي يمتد تهديده ــ الدائم بالطبع ــ ليشمل العالم العربي بأكمله. لكن لا يوجد في المقابل تحالف عربي شامل لردع الطرف الآخر. وكما هو معلوم ومشاهد فإن جامعة الدول العربية كيان مهلهل لا يمثل ارادة جماعية غلابة. ولذا فإن غياب حلف عربي كامل في الوقت الذي يتصاعد نشاط الحلف المضاد على جميع الاصعدة العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية يجب ان يمثل اقوى حافزا لسوريا والعراق لاتخاذ مبادرة لانشاء تحالف ثنائي من قبيل الامن الوقائي على اقل تقدير. والحقيقة ان قيام تحالف سوري عراقي, بالنظر الى المعطيات الموضوعية في الشرق الاوسط التي تتطلب قيامه, قد تأخر كثيرا.. ودون سبب موضوعي. فالعداء الذي ساد لعقود متصلة بين الدولتين ليس في حقيقته سوى عداء سيكولوجي ناشىء من تنافس هامشي ومتوهم بين نظامي حكم حول الانفراد بالقيادة القومية لحزب البعث الحاكم في الدولتين. ويبدو الآن, وفي ظل اشتداد التعنت الامريكي تجاه ابقاء نظام العقوبات الدولية على العراق وانحياز واشنطن السافر للطرف الاسرائيلي في (عملية السلام) على المسار السوري.. وفي ظل المناخ التحرري العام الذي افرزته الانتفاضة الفلسطينية, ان القيادتين في دمشق وبغداد, اخذتا تتيقظان اكثر من اي وقت مضى الى مدى جدية الخطر الداهم الذي يستهدف مصيرهما وتدركان انهما في سباق مع الزمن. هناك الآن اخبار سارة.. منها اعادة فتح السفارتين واعادة تشغيل خط الانابيب الذي ينقل نفطا عراقيا الى ميناء بنياس السوري عبر الاراضي السورية ومن ثم الى السوق الخارجي. والمأمول ان تمثل هذه التطورات مقدمات للانطلاق على طريق يفضي الى قيام تحالف استراتيجي.. سوف يشكل اذا قام فعلا انقلابا سياسيا في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي.