ان العلاقة بين الامن الاسرائيلي والحق العربي وثيقة لا تنفصم, والجسور بينهما ممتدة وصلبة فالأول لا يمكن ان يتحقق ويدخل خارطة الواقع العملي, إلا اذا اصبح الثاني حقيقة ملموسة. والخطأ الفادح الذي ينم عن منتهى الغباء, هو ان كثيرا من الاسرائيليين, سواء في صفوف الساسة او المواطنين العاديين, يريدون ان يناموا على حرير الامن, ويسلموا انفسهم الى لذيذ السلام, دون ان يفكروا بدفع الثمن الكامل لما يودون الحصول عليه. وهذا التناقض هو الذي كان قد اوصل الامور في المنطقة الى ما وصلت اليه,. مما دفع بباراك الى تقديم استقالته, والمثول امام كاساف, رئيس الدولة العبرية, في التاسع من شهر ديسمبر الحالي لهذا الغرض. وقد صرح الاخير حينئذ بأن الانتخابات المقبلة يجب ان تتم في اسرع واقصر وقت, من اجل حسم قضية الامن الاسرائيلي. واذا رجعنا الى تصريحات المسئولين اليهود في الماضي, نجدهم جميعهم يضعون الامن في اعلى درجات سلم اهتمامهم ويمنحونه الافضلية على كافة الامور الاخرى, فهو هاجسهم الوحيد وشغلهم الشاغل. كما ان اول تصريح للرئيس الامريكي المنتخب بوش بشأن الشرق الاوسط, شدد على ان مفتاح السلام في هذه المنطقة يكمن في الامن الاسرائيلي. وهنا نعود الى نقطة البداية ونقول بأن الاسرائيليين تصرفوا في الماضي وكأن الامن قضية مستقلة قائمة بذاتها ومعالجتها بوصفة سحرية تعتمد على استخدام القوة, دون تقصي جذورها العميقة والربط بينها وبين الحق العربي الكامل. ومما يدعو للسخرية ان كثيرا منهم اخذوا بعد استقالة باراك, يفكرون في الخروج من مأزق الانتفاضة عن طريق العودة الى الورقة القديمة البالية التي تساقطت منذ عدة سنوات. اي الى من تمرغ في اوحال الفضائح والتعصب الاعمى, ولم يخرج من سدة الحكم الا بالطرد, واقصد به الصيهوني المتعنت نتانياهو الذي اصبح في عيون بعض البلهاء, (المهدي المنتظر) الذي يتوقعون منه ان يجترح معجزة الامن عن طريق اللجوء الى المزيد من التشدد لكن نتانياهو قرر الانسحاب من السباق الانتخابي بعد ان فشل في اقناع الكنيست بحل نفسه. وهو ما كان اصلا سبب الانتفاضة والتدهور الامني اللذين تريد اسرائيل ايقافهما بأي ثمن, باستثناء ثمن اعادة الحقوق المشروعة الكاملة للفلسطينيين. والطريف هنا ان هؤلاء يفتشون عن حل المشكلة, فيما هو اساسا سبب المشكلة! فالتشدد قاد الى اندلاع الانتفاضة.. وبعض الاسرائيليين كانوا يأملون ان يأتي نتانياهو ليستخدم مزيدا من التشدد, من اجل وقف الانتفاضة! امر عجيب ومضحك... أليس كذلك؟! ان اسرائيل في الواقع قد تكون راغبة في السلام حتى تحصل على الامن... ولكنها تخبطت طويلا في مهاوي الحيرة, وتاهت في دهاليز التساؤل, وضلت الطريق الصحيح الموصل فعلا الى السلام والامن, مع ان هذا الطريق واضح وسالك ومحدد المعالم, وهو طريق اعادة الحق العربي. ويبدو وكأن هناك غشاوة كثيفة تغطي عيون الاسرائيليين وهم لم يعرفوا ان الوصول الى الواحة والمنهل, يستلزم في البداية عبور الفيافي والقفار. وأكثر من هذا, فإن قبول العرب بانسحاب اسرائيل من الاراضي المحتلة في حرب يونيو دون تلك التي احتلتها عام 1948, هو بحد ذاته حل وسط. ولكن المفارقة العجيبة ان هؤلاء اخذوا بعد ذلك يتحدثون عن حل وسط للحل الوسط! اي تسوية تقع في منتصف الطريق بين اعادة الاراضي المحتلة في عام 1967, وبين الاحتفاظ بها. وهذا يعني اعادة بعض هذه الاراضي فقط. وهو ما رفضه العرب رفضا باتا, مما دعا اسرائيل الى عرض الانسحاب مع تعديلات على الحدود. وهو ايضا امر يصعب القبول به. ويبدو الآن ان هناك عروضا اكثر مرونة, وتتجلى كما يقال بالاستعداد للانسحاب من 97% من الاراضي المحتلة. ولكن كل ما سبق ليس السبب الوحيد لتعثر عملية السلام في الماضي, فهناك عامل آخر اكثر خطورة, ويتمثل بالعقلية الاسرائيلية المتعالية والمتغطرسة التي تنظر الى العرب نظرة دونية وتؤمن بسيادة منطق القوة على حساب مبدأ العدالة, وانتصار عنف الاغتصاب على شرعية الحق. وهذا يفسر لنا لماذا يعد اليهود كل شبر من الارض يعيدونه للعرب تنازلا منهم. ولهذه العقلية المريضة جذور عميقة موغلة في قدم التاريخ اليهودي. وفي حديث الشهر المنشور في عدد ديسمبر لعام 2000 من مجلة العربي الكويتية بعنوان (السلام المستحيل مع اسرائيل) يعالج المفكر العربي الدكتور سليمان العسكري, رئيس تحرير المجلة, هذه المسألة من منظار فكري وتاريخي, مبينا ان عقلية الاستعلاء الاسرائيلي القائمة على استخدام القوة تعود الى الثقافة اليهودية القديمة الضاربة في اعماق الماضي والمستقاة من التعاليم التوراتية المتعصبة التي تحتقر الآخرين, وتعد كل من يتعامل مع اليهود تابعا لهم. ومنذ فترة قصيرة, وتحديدا في الرابع عشر من شهر ديسمبر لعام 2000, صرح الزعيم الاسرائيلي شيمون بيريز ان حزب العمل وحزب الليكود, كليهما يسعيان الى السلام. ولكن الاول يريده ان يتم برضى العرب, وبالتفاهم معهم, في حين يسعى الثاني الى فرضه عليهم عن طريق الاملاء والالزام. فإذا اضفنا الى هذا التصريح, ما نعرفه عن الاحزاب الدينية المتطرفة في اسرائيل مثل المفدال وشاس, يتضح لنا ان قطاعات كبيرة من الشعب الاسرائيلي تؤمن بفكرة السلام المفروض, لا السلام العادل. وهذا ما يؤكد صحة ما ذهب اليه الدكتور العسكري. وحتى اذا صدقنا ان حزب العمل يسعى الى سلام معقول يقوم على التراضي, فإن هذا الحزب ظل لفترة طويلة من الزمن يستجيب لضغوط الليكود والمستوطنين والمتدينين المتعصبين, مما يثبت ان الاعتدال العمالي, لا معنى او قيمة له طالما ظل رهينة في ايدي المتطرفين والمستوطنين اليهود. وبتعبير آخر, فإن الموضوعية تقتضي منا ان نقر بأن في اسرائيل بعض السياسيين العقلاء الذين يؤمنون بالسلام الحقيقي, ولكن هؤلاء لم يستطيعوا حتى الآن ان يقيموا السلام مع العرب, مما يدل على ان كفة المتشددين ما زالت هي الراجحة. خلاصة القول, أن مشكلتنا مع اسرائيل, لا تتعلق فقط بقطعة ارض هنا او هناك, او بنزع سلاح هذه المنطقة او تلك, او بالسيادة على مكان ديني او آخر, او بإعادة او عدم اعادة مئات آلاف الفلسطينيين الى ديارهم الاصلية, وانما ايضا بالعقلية العنصرية التي تعد العرق اليهودي صنفا متفوقا اصطفاه الله ليقود صنوفا بشرية اخرى. وهذه مجرد تخرصات وهذيانات ليس لها اية مصداقية. والدليل على خطلها ان اليهود منذ مئات السنين يعيشون مشردين في بقاع عديدة من العالم. وحتى عندما ساعدتهم قوى عالمية غاشمة على انشاء كيان لهم في فلسطين, فإن هذا الكيان لا يزال هشا ومهزوزا ويمكن ان تذروه الرياح في اي وقت لانه يعتمد على الدعم العسكري والمالي الخارجي اكثر من الامكانات الذاتية, ولو كان اليهود هم بالفعل شعب الله المختار, فهل يمكن ان يكون مصيرهم على هذه الشاكلة؟! خلاصة القول, ان الامن لن يتحقق لاسرائيل الا في ظل السلام.. وهذا بدوره لا يمكن الوصول اليه, الا اذا اعترفت الدولة العبرية بالحقوق العربية, وفقا لقرارات الامم المتحدة, وغيرت عقليتها المتغطرسة. ونعتقد ان هذا قد اصبح اقرب الى الواقع بعد انتفاضة الاقصى المباركة. ومع ان توقيع اتفاقية سلام خلال الفترة المتبقية من حكم الرئيس كلينتون, يبدو امرا صعبا, الا انه في نظري غير مستبعد, لأن هناك مؤشرات وأسبابا ومصالح عديدة تجعل جميع الاطراف حريصة على الوصول الى تسوية ما قبل شهر فبراير المقبل. فكلينتون يصعب عليه ان يودع البيت الابيض خالي الوفاض, وباراك لا يريد استقبال الانتخابات المقبلة وهو صفر اليدين.. وعرفات لا يريد رؤية يميني متطرف في مقعد رئيس الوزراء مثل شارون مثلا. وهكذا, فإن لكل من الاطراف الامريكية والفلسطينية والاسرائيلية, من الاسباب ما يجعل امكانية الوصول الى تسوية ما حتى فبراير امرا واردا جدا, ولا سيما ان المفاوضات قد بدأت بالفعل في واشنطن. ولكن, حتى اذا تم التوقيع على اتفاقية سلام, تبقى هناك اشكاليتان: اولاهما اشكالية عرض الاتفاق على استفتاء شعبي, والثانية تتعلق بتنفيذ الاتفاق! كاتب سوري