كأن الانتفاضة لم تقم لتغير الأوضاع وتبعث الروح من جديد, وكأن الشهداء لم يسقطوا برصاص النازيين الجدد, وكأن العالم العربي والاسلامي لم يجتاحه الغضب, وكأن نداءات مقاطعة العدو والتضامن مع شعبنا المجاهد في فلسطين لم تجبر الأنظمة العربية والاسلامية على التحرك في الطريق الصحيح, ولو متأخرة أو مترددة. كأن شيئا لم يكن.. فالمطلوب الآن أن نعود الى ما كان قبل 28 سبتمبر الماضي, وأن نكتفي بقراءة الف اتحة على الشهداء أو مشاركة أبو عمار في تقبيل أيادي الجرحى أو أقدامهم.. قبل العودة للجلوس على مائدة التفاوض, واستئناف البحث حول ما سبق رفضه في كامب ديفيد الثانية, بعد ادخال بعض التعديلات التي تخفي الوجه القبيح للحل الاسرائيلي الأمريكي المعروض, وتجعله قابلا للتسويق.. أو هكذا يأملون! المشروع الاسرائيلي الأمريكي الذي تتفاوض حوله السلطة الفلسطينية الآن يقوم على قاعدة (القدس مقابل اللاجئين).. ولكنه في الحقيقة لا يعني إلا ضياع القدس وتصفية قضية اللاجئين في وقت واحد! الترويج لمشروع (كامب ديفيد بعد التعديل) يقوم على أن اسرائيل تقدم (تنازلات!!) جديدة في مسألة القدس, يقابلها تنازلات فلسطينية في مسألة اللاجئين. وتنازلات اسرائيل لا تعني إعادة القدس العربية كاملة لأهلها أو التخلي عن سيادة اسرائيل على الأقصى. وإنما تعني منح السلطة الفلسطينية ممرا عبر القدس الشرقية الى المسجد الأقصى, أما المسجد نفسه فيتم الاعتراف الاسرائيلي بإشراف (واقعي) عليه من جانب سلطة دينية فلسطينية, تستثني بالطبع حائط البراق الذي أصبح حائطا للمبكى الذي ستؤول ملكيته الى اليهود, مع ضم الحي اليهودي بالمدينة القديمة الى اسرائيل. إنه أمر يذكرنا بما سبق طرحه قبل الانتفاضة, حين طرح هذا النوع من الاشراف الديني الفلسطيني على المقدسات الاسلامية, واقترحت اسرائيل أن يكون لعرفات مكتب في المسجد يستقبل فيه كبار الزوار, وأن يتم منح عرفات لقب (خادم المسجد الأقصى) مقابل الاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على القدس كاملة بما فيها المقدسات الاسلامية. وبلغ الأمر حد المهزلة حين اقترح كلينتون أن يتم (رفع) المسجد الأقصى ويكون تحت الاشراف الاسلامي أو الفلسطيني بينما تبقى الأرض وما تحتها لليهود.. مع إغراء الجميع بأن ذلك سيحول الأقصى الى أعجوبة (سياحية) يقصدها الملايين من أنحاء العالم! هذه هي (التنازلات) التي ستقدمها اسرائيل في القدس وفقا للمشروع الجديد الذي يتفاوض عليه عرفات الآن.. ومقابل ذلك فالمطلوب تنازل فلسطيني عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وحل قضيتهم خلال سنوات عبر التوطين في الدول العربية ومنحهم التعويضات المالية التي تساهم فيها أمريكا ودول أوروبا والدول العربية, مع توفير فرص الهجرة للخارج للاجئين الفلسطينيين في لبنان الذين يمثلون عنصر انفجار في الأوضاع الداخلية اللبنانية. العناصر الأخرى للمشروع الاسرائيلي الأمريكي تتحدث عن بقاء المستوطنات في الضفة الغربية ودويلة فلسطينية على معظم الجزء الباقي من الضفة وغزة, مع الإقرار الفلسطيني بإنهاء النزاع وإسقاط أي مطالب تاريخية للفلسطينيين من اسرائيل. حقيقتان برزتا في كامب ديفيد الثانية.. الحقيقة الأولى: أن الاتفاق كان قد تم على 80% من الحل وفقا لتصريحات الأطراف الفلسطينية والاسرائيلية معا. والحقيقة الثانية: أن العنصر الأساسي في انهيار المباحثات كان مسألة القدس, أو بالدقة مسألة التمسك الاسرائيلي بالسيادة على المسجد الأقصى, وهو الأمر الذي فاجأ القيادة الفلسطينية حيث أن الحكومات السابقة قبل باراك لم تثر هذه القضية, والطرف الفلسطيني كان يتصور في البداية أنها مجرد مناورة للحصول على تنازلات فلسطينية. وما يهم بعد ذلك أن التركيز منذ كامب ديفيد الثانية كان على قضية المسجد الأقصى. وبالطبع استقطب الموقف الفلسطيني الرافض للسيادة الاسرائيلية على المسجد الأقصى تأييد العالمين العربي والاسلامي. لكن ذلك كله لم يستطع أن يخفي تساؤلات مشروعة حول حقيقة ما تم في كامب ديفيد. كان هناك التساؤل حول ما تم الاتفاق عليه بالفعل في ضوء التصريحات الرسمية بأن 80 % من المشروع المطروح قد تم الاتفاق عليها.. ورغم التلاعب المعهود بالألفاظ من جانب بعض المسئولين, والقول بأن ما تحقق هو مجرد (تفاهمات) وليس (اتفاقات), والتبجح بأن ما دام الأمر لم يصل لمرحلة (التوقيع الرسمي) فكل شيء يصبح خاضعا للمراجعة.. رغم ذلك كله فإن ما تم تسريبه حول كامب ديفيد الثانية يؤكد أن الحل يقوم على تصفية قضية اللاجئين وإهدار حق العودة وإسقاط المسئولية الاسرائيلية عن مأساتهم.. وأن الاتفاق قد تم على عودة خمسين أو ستين ألفا فقط في إطار (لم شمل العائلات).. أي على أساس إنساني وليس باعتبار ذلك حقا مشروعا, كما تم الاتفاق على أن يكون التعويض المالي للاجئين هو وسيلة إنهاء قضيتهم, وأن يتم توطينهم في الدول العربية, مع فتح باب الهجرة لأوروبا وكندا واستراليا لأعداد منهم وخاصة من المقيمين في لبنان والذين يمثلون مشكلة قابلة للانفجار في أي وقت, وستنفجر حتما مع أي اتفاق من هذا النوع. وكان هناك التساؤل حول قبول الجانب الفلسطيني ببقاء المستوطنات الاسرائيلية بعد تجميعها في تكتلات كبيرة ليسهل على اسرائيل تأمينها, وكذلك قبوله بالتنازل عن أجزاء من الضفة الغربية سواء بالتأجير أو بالتبادل مع أراضي تستغني عنها اسرائيل, وذلك لتحقيق أقصى قدر من الأمن الاسرائيلي وإبقاء الفلسطينيين في الدويلة المقترحة تحت الحصار الصهيوني المحكم الذي يفرض عليها أن تكون تابعا لاسرائيل وليس جزءا من أمتها العربية. وكان هناك التساؤل حول تصعيد الموقف حول المسجد الأقصى فقط, والرضوخ لباقي الشروط الاسرائيلية في كل القضايا. صحيح أن للمسجد قدسيته ومكانته في قلوب ملايين المسلمين. ولكن ماذا عن القدس العربية نفسها؟؟ ولماذا وافق الطرف الفلسطيني عن التنازل عن أجزاء منها في الحل المقترح؟؟ وماذا عن باقي الحقوق الفلسطينية ولماذا لا يتم الحديث عنها؟ وثارت المخاوف من أن يكون اقتصار الحديث على المسجد الأقصى هو المقدمة الطبيعية لتمرير التنازلات الخطيرة في باقي الجوانب. وبحيث يصبح تسويق أي (تنازل)!! اسرائيلي في هذا الجانب, وتقديمه على أنه انتصار للعرب والمسلمين يستحق ما يتم تقديمه من تنازلات عربية في الجوانب الأخرى للحل المطروح, بما في ذلك بقاء القدس تحت السيادة الاسرائيلية, وتصفية قضية اللاجئين! اندلعت الانتفاضة من ساحة المسجد الأقصى حين دنسها شارون بموافقة حكومة باراك وفي حراسة آلاف من جنود الجيش الاسرائيلي. لكن الانتفاضة لم تقع في الفخ, ولم تكتف بالاحتجاج على هذا العدوان الوقح على المقدسات الاسلامية, بل تحولت الى حركة شعبية للنضال من أجل إنهاء الاحتلال الاسرائيلي واعلان الدولة الفلسطينية ضمن حدود 67 واستعادة القدس العربية لتكون عاصمة لهذه الدولة. وكان ذلك مفاجأة للجميع. كان مفاجأة للاسرائيليين الذين تصوروا أنهم حددوا سقف النضال الفلسطيني في حدود أوسلوا وملحقاتها. وكان مفاجأة لأمريكا التي كانت قد رتبت الأوضاع لفرض الحل النهائي بما يحقق مصالح اسرائيل ويبدد الحقوق العربية. وكان مفاجأة للعرب الذين هرولوا منهم والذين طبعوا, والسائرين على الطريق وكان مفاجأة لأطراف عديدة في السلطة الفلسطينية وضعت رهانها على تمرير الاتفاق باعتباره الممكن الوحيد من وجهة نظرها, أو كانت تتوقع أن تظل حركة الاحتجاج على ما حدث في المسجد الأقصى مجرد حركة احتجاج يمكن المساومة في ظلها لتحسين شروط الحل المعروض في كامب ديفيد وإدخال بعض التحسينات عليه. كانت الانتفاضة في حقيقة الأمر نسفا لنهج أوسلو وملحقاته, وتأسيسا لنهج آخر يعيد القضية الى أصولها. لم يعد الكفاح إرهابا كما وصفته السلطة الفلسطينية في ظل أوسلو.. ولم تعد المقاومة سلاح الرافضين للسلام كما كانوا يروجون في سنوات ما بين الانتفاضتين. ولم تعد القضية نزاعا على بضع كيلومترات هنا أو هناك أو خلافا على ما تحت الأقصى أو ما فوقه.. ولكنها عادت كما كانت وكما ينبغي أن تكون.. قضية أرض محتلة لابد أن تتحرر, وشعب مشرد لابد أن يعود, وعدوان ظالم لابد أن يدفع المعتدون ثمنه. ولأن تجربة الشعب الفلسطيني مع أوسلو كانت مريرة في الداخل والخارج معا, مع العدو ومع الادارة الوطنية في وقت واحد.. فقد ابتدعت الانتفاضة آلياتها, وفرضت على كل القوى الوطنية أن تتوحد لحماية الانتفاضة وفرض طريقها على الجميع, وهكذا بينما كان البعض داخل السلطة يتحدثون عن تحسين شروط التفاوض كانت قيادة الانتفاضة الممثلة لكل الفصائل الفلسطينية تعلن رفضها القاطع لمواصلة طريق أوسلو, وإدراكها العميق أنها في لحظة تقرير المصير, وأن هذا المصير لن يتحدد إلا باستمرار المقاومة للاحتلال حتى يرحل عن كل شبر من الارض المحتلة في 67 , وحتى يتم الإقرار بالشرعية الدولية التي تضمن للاجئين حق العودة لوطنهم, وللمقيمين حقهم في إقامة دولتهم المستقلة التي لا تكون جسرا للعدو لقلب العالم العربي, بل حائطا للمقاومة في وجه الصهيونية النازية. وهكذا تحدد الموقف الفلسطيني في نهجين مختلفين, نهج يدعو الى التهدئة ويوافق على عودة الأوضاع الى ما قبل 28 سبتمبر (يوم الانتفاضة) تمهيدا لمواصلة التفاوض من أجل تحسين شروط الحل الذي سبق عرضه في كامب ديفيد, ونهج آخر يدعو الى وقف كل هذا العبث الذي استمر لأكثر من 7 سنوات قدم فيها الفلسطينيون كل التنازلات الممكنة بلا طائل, واستمرار المقاومة حتى يرضخ العدو لمنطق العدل وقرارات الشرعية الدولية فيقوم السلاح الحقيقي. وفي ظل الصراع بين هذين النهجين, تجيء أنباء العودة لطاولة المفاوضات, ويتم الترويج للحل القادم باعتباره (تنازلا) جديدا من باراك الباحث عن اتفاق ينقذه من السقوط, وباعتباره انتصارا يترجم تضحيات الشعب الفلسطيني وانتفاضته البطولية.. فهل هذا صحيح؟! مع تضارب الأنباء حول تفاصيل المشروع الاسرائيلي الأمريكي الجديد, فالحقيقة الوحيدة فيه أنه ليس إلا نفس المشروع الذي تم طرحه في كامب ديفيد مع بعض التحسينات التي لا تمس الجوهر. والتركيز بالطبع على المسجد الأقصى, والحل الجديد يعطي للفلسطينيين ممرا آمنا للوصول الى المسجد, ويمنحهم سلطات ادارية على المقدسات الاسلامية, بينما تبقى السيادة السياسية على الأقصى لاسرائيل. هذا هو (التنازل) الأساسي الذي يقدمه باراك في المشروع الجديد. ومقابله يقبل الفلسطينيون وضع الحي اليهودي بالقدس والمستوطنات تحت السيادة الاسرائيلية, ويقبلون وجودا عسكريا اسرائيليا في وادي الأردن, والأهم من ذلك تتم تصفية أوضاع اللاجئين دون تحميل اسرائيل مسئولية خروجهم من وطنهم ودون منحهم حق العودة وفقا للقرارات الدولية, والحل المطروح يعتمد على توطينهم حيث يقيمون في الدول العربية, أو فتح باب الهجرة لبعضهم (خاصة من لبنان مراعاة لظروفها) الى أوروبا وكندا واستراليا, مع منحهم تعويضات مالية تساهم فيها أمريكا وأوروبا والدول العربية البترولية! والاشارات كثيرة على أن الطريق يتم تمهيده لقبول هذا الحل. وتعليمات عرفات للمفاوضين هي الإسراع في إنجاز (الصفقة) خلال شهر كما قيل. أي قبل رحيل كلينتون وقبل انتخابات رئيس الوزراء الاسرائيلي القادمة.. والأرض تمهد بتصعيد العنف الاسرائيلي ضد الانتفاضة, واغتيال العناصر النشيطة في المقاومة وبين أنصار فتح وجنود السلطة التي تمنع تصعيد العمليات الفدائية في مواجهة هذا العدوان الاسرائيلي الهمجي وتكتفي بتشييع الشهداء, ثم مواصلة الاتصالات السرية والمفاوضات العلنية حول الحل المقترح. هذا هو جوهر (الصفقة) التي يجري الاعداد لها, والتي يتم الترويج لها باعتبارها إنجازا كبيرا للفلسطينيين وتنازلا لن يتكرر من اسرائيل, مع أنها في الحقيقة نفس (الكارثة) التي تم رفضها في كامب ديفيد إلا فيما يختص بالمسجد الأقصى الذي يتم استخدامه الآن لتمرير الصفقة باعتبار أن ما قدمه باراك بشأنه لن يجرؤ زعيم اسرائيلي آخر على تقديمه, حتى ولو كانت السيادة الاسرائيلية ستبقى على الأقصى, وكل ما سيحصل عليه الفلسطينيون هو التواجد الفعلي أو السلطة الادارية والممر الآمن. وحتى لو ترك الاسرائيليون الأقصى وأعادوا القدس كاملة. فإن الثمن لا يمكن أن يكون التنازل عن حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين. فهذا هو لب القضية وجوهر النضال الفلسطيني. إن عرفات لا يملك حق التنازل عن حق ملايين الفلسطينيين في العودة لوطنهم, والسلطة الفلسطينية لا تملك هذا الحق, والتلويح بالتعويضات المالية بديلا عن حق العودة أمر مرفوض. فمن حق اللاجئ أن يحصل على حق العودة وأن يتم تعويضه عن سنوات العذاب في المنفى وعن ممتلكاته التي سرقها الصهاينة وهم يسلبونه الوطن. حق العودة هو أساس أي حل.. وبدونها لن يكون هناك سلام, ولن تنجح محاولات طمس هذه الحقيقة. العودة قبل القدس وقبل الأقصى لأنها مفتاح الحل الصحيح وطريق السلام الوحيد وبدونها سوف يظل الجرح نازفا, وسيظل الصراع مستمرا, وستظل المقاومة فرضا واجبا. في كامب ديفيد الثانية قال عرفات لكلينتون إنه لو وقع على اتفاق يترك الأقصى تحت السيادة الاسرائيلية فإنه سيموت قتيلا بيد شعبه. وقد مضى وقت منذ هذا التاريخ, قامت فيه الانتفاضة, وسقط شهداء, وانفضحت بشاعة الاحتلال الاسرائيلي وتوحد العرب وراء المجاهدين في انتفاضة الأقصى. والآن.. يعود عرفات للمفاوضات, ولعله يذكر ما قاله في كامب ديفيد الثانية, ويذكر معه أن القدس قبل الأقصى, والضفة قبل القدس, وحق العودة قبل كل شيء وفوق أي شيء. ورحم الله عبدالناصر الذي عرضوا عليه في عز الهزيمة المرة في 67 أن يستعيد سيناء مقابل معاهدة عدم اعتداء مع اسرائيل. فقال الرجل وهو يداوي الجراح ويعيد بناء الجيش ويستعد للثأر: القدس قبل سيناء. يرحمه الله, ويرحم آلاف الشهداء الذين سقطوا في الطريق, والذين سيسقطون في رحلة العودة المضنية الى الوطن السليب, والذين يفرضون على كل من يتفاوض باسمهم أن تكون كلمته الأولى والأخيرة. أن العودة هي أساس الحل, وبدونها يصبح الحديث عن حل تاريخي مجرد وهم يجري ترويجه. ولتكن الكلمة في النهاية لشعبنا العربي الفلسطيني في الداخل والخارج. هو وحده صاحب الحق, وهو الذي سيقول الكلمة الأخيرة, وهو الذي سيقرر هل يكتفي من الوطن السليب والحقوق الضائعة.. بسلطة وطنية وهمية وبالترحم على الشهداء في المسجد الأقصى.. أم أن للعودة طريقا آخر رجعت اليه فلسطين في 28 سبتمبر ولا ينبغي أن يتوقف مهما كانت التضحيات.