التقارير الإخبارية والاحصائيات والوثائق التي ترصد واقع الانتفاضة الفلسطينية ودوافعها ونتائجها, كثيرة وتكاد تنهمر يوميا عبر مواقع شبكة الانترنت, مقدمة كل الاجابات على كل الأسئلة التي يطرحها العقل العربي المتأمل في الحالة الراهنة التي يرزح تحت وطأتها شعب بأكمله يموت يوميا وبشكل علني, وأمام أعين العالم الديمقراطي والمتحضر والساعي للسلام دون أن يستطيع هذا العالم فعل أي شيء لايقاف حمام الدم المخيف هذا. ومع الشعب الفلسطيني مازال شعب عربي آخر يدفع الفواتير منذ عشر سنوات, هو الشعب العراقي الذي تتنافس الإدارات الأمريكية على العبث بحياته وقوته اليومي, وكامل مقدراته ومستقبله بحجة العقوبات الدولية المفروضة على النظام! ولا ندري في وجه من نقذف بحمم أسئلتنا: أفي وجه الأنظمة العربية المكبلة باتفاقات المصالح واتفاقيات الدفاع مع الولايات المتحدة, أم في وجه الأمم المتحدة (الأمريكية)!! أم في وجه الشعب العربي والإسلامي الذي لا وجود له إلا كأرقام واحصائيات في جداول المنظمات الإنسانية ووكالات غوث اللاجئين والمنكوبين؟ أم ان علينا أن نقتنع بعدم جدوى الأسئلة وكل الأجوبة التي قد تقدم إلينا؟ إلى متى سنبقى في حالة الشلل المفروضة علينا منذ مئات السنين؟ إلى متى سيظل البؤس يقتات من أجساد وقلوب اخوتنا في العراق وفلسطين وجنوب لبنان, بينما تعربد إسرائيل لاوية عنق الحقيقة, صارخة عبر الاعلام الأمريكي والغربي بأنها تعاني من وطأة الانتفاضة! وبأن خسائرها بالملايين يوميا! وبأن الفلسطينيين مجموعة ارهابيين لا يمكنهم أن يعوا ثقافة السلام! وان على أمريكا أن تؤدب عرفات وجماعته وشعبه بأية طريقة! وفي غمضة عين ينتفض العالم لانقاذ اسرائيل (المسكينة) وتهب امريكا راعية السلام الاولى دافعة بالمزيد من دبلوماسييها نحو المنطقة, مقدمة المزيد من المبادرات والمقترحات والخطط, مستضيفة ذلك كله هناك في واشنطن حيث اعتدنا على روائح المؤامرات وصفقات البيع والشراء التي تتم خلف الابواب المغلقة في المنتجعات المسيجة والمحمية بعيدا عن العيون وكاميرات الصحافة المتلصصة. وبعيدا عن معادلات الكبار, فإن للشارع كلمته او على الاقل رؤيته الواضحة للامور, وكما حدث بالامس عندما خرج الشارع العربي مؤيدا الحق الفلسطيني وضاغطا في اتجاه اتخاذ موقف عربي رسمي مما يحدث على الارض المحتلة, فاليوم تخرج الجماهير العربية مجددا لتقول للفلسطيني الذي امتلأ بمرارات القهر وصور الموت اليومية ورائحة الدماء والبارود والقنابل المحرمة: اثبت واستمر فانتفاضتك هي الحق الوحيد والطريق الصحيح بين كل هذه الطرق التي ترسم على خريطة المنطقة, وترتب مجددا حسبما تريده الصهيونية العالمية, واعوانها وعملاؤها في كل مناخ الشرق الاوسط المأزوم. انه برغم البرد القاتل, والحصار الضارب في قاع الجراح واعماق الارواح, وفي عيون الاطفال ودموع الامهات, وحيرة الآباء الذين لا يجدون ما يطعمون به ابناءهم وما يكسونهم به, برغم جنازات الموت اليومية, برغم جنون قطعان المستوطنين المسعورة تحرق اشجار الزيتون وتجرف التربة, وتقتل بدم بارد, برغم الصفقات العربية التي يصوم البعض وهو يعقدها مع الامساك, ويفطر عليها مع مدفع الافطار دون تأنيب ضمير او خفقة قلب, برغم المعادلات والمساومات التي ذهب رجال السلطة الى واشنطن لدخول سراديبها وانفاقها, برغم العيد المقبل وانتم جوعى يتامى, مشردون, محاصرون, ترتجفون من البرد وانعدام المؤن.. برغم هذا الموت البطيء لا نملك سوى ان نقول: اثبتوا فأنتم الحق المبين وكل ما عداكم باطل.. باطل.. باطل.