من يصدق ان عاصمة قطر من اقطار الدنيا, قد انقطعت عنها الكهرباء لمدة عشرة اعوام طوال؟! تلك هي منروفيا عاصمة ليبيريا التي لاتزال عنها الكهرباء مقطوعة حتى الآن لا يستثنى من ذلك غير بيت واحد هو بيت الزعيم المسئول عن تخريب ذلك القطر, وزجه في اتون الحرب الاهلية والاقليمية. كانت ليبيريا هي اول اقطار افريقيا استقلالا اذ حصلت على استقلالها في وقت مبكر جدا, في 26 يوليو 1846, اي قبل ان يهبط وينزح الاستعمار عن اغلب بقاع القارة. وقد كان حصول ليبيريا على استقلالها بقرن كامل قبل بقية اقطار القارة, بشيرا مشيرا الى انها ستكون انموذجا تنمويا استقلاليا لبقية الاقطار وذلك هدف عملت له طلائع الثوريين الافارقة, والثوريين الامريكيين السود. وعلى رأس هؤلاء وأولئك جميعا الداعية السوداني (دوس محمد) الذي زار امريكا في العشرينيات حيث تجمع كافة المراجع على انه كان ملهم جميع الحركات الثورية هناك لاسيما حركة (ماركوس جارفي) التي ولدت من احشائها الحركات التي قادها كل من اليجيا محمد ومالكولم اكس ومارتن لوثر كنج. حلم الثورة طاف دوس محمد كثيرا بانجلترا ومصر وامريكا ونيجيريا وليبيريا داعيا لدعم ثورة 1924 التي قادها علي عبداللطيف في السودان ضد الانجليز, وداعيا الى اتخاذ ليبيريا قاعدة لتحرير بقية اصقاع القارة الافريقية من الدنس الاستعماري, وقد خط دوس محمد واعوانه خطوات عملية كثيرة في ذلك الاتجاه وذلك بتأسيس شركات تجارية في ليبيريا لتمويل النشاط الاستقلال الثوري وظل ذلك الرجل يكافح حتى قضى نحبه مخلفا وراءه عددا لا يحصى من التلاميذ والاتباع ولكن حلمه الليبيري حال حطاما بتولي الحكام المستبدون ذوي الاحلام القاصرة لشئونها, اولئك الحكام الذين لم يدبروا فقط عن شأن الاستقلال الافريقي الجامع, بل عن شأن الاستقلال الليبيري نفسه فباعوا ذلك القطر بثرواته للافاكين مكتفين بقبض الثمن البخس في حساباتهم الخاصة بالبنوك الاجنبية. بدلا من ان تتحرر ليبيريا او تحرر غيرها فقد ظلت محكومة بطائفة لا تمثل اكثر من 5% من السكان, هي طائفة السود النازحين من الولايات المتحدة وجزر البحر الكاريبي, على اثر الغاء الرق, وبدلا من ان يضرب اولئك المحررون مثلا اعلى من امثلة التحرير, اذا بهم ينقلبون الى سادة على السكان المحليين تماما مثلما كان بيض المسيسبي والباما يمثلون السادة على اولئك الرقيق قبل التحرير ولذلك انطفأ حلم الثورة الافريقية انطلاقا من منروفيا, (سميت على اسم الرئيس الامريكي الاسبق مونرو الذي ساعد في ترحيل السود الامريكيين الى ليبيريا!) وانتقلت شعل الثورة الى عواصم اخرى, لينطفىء فيها هي الاخرى سراعا, ولتبقى الحروب الاهلية والفتنة الداخلية بديلا عن احلام الثورة والاستقلال والنمو الاقتصادي والسياسي. نذر الحرب الاقليمية ان منروفيا يحكمها الآن قادم آخر درس بأمريكا, ولبث بأحد سجونها قبل ان يهرب الى ليبيا, حيث نال تدريبه العسكري هناك (مع سنكوح), ثم انقلب الى بلاده ليشعل فيها الحرب الضروس التي دامت سبع سنين وهي الحرب التي لما تضع اوزارها بعد, بل انها تهدد بالتمدد الى حرب اقليمية تشمل كلا من غينيا وسيراليون حيث بدأت الصدامات الحدودية فعلا بين ليبيريا وغينيا, بسبب من تدخل ليبيريا في شئون سيراليون ودعم غينيا لثوار ليبيريا الشماليين وهو الامر الذي ادى الى تدخل كوفي انان شخصيا, خشية ان تتسع رقعة الحروب في الاقليم الذي ينتمي هو اليه. وبالرغم من ان غالبية افراد الشعب الليبيري قد عانت من الحرب الاهلية الطويلة التي اشعلها تاريس تايلور الا انهم عادوا في 1997 ليصوتوا لصالحه في الانتخابات التي اعقبت الهدوء النسبي الذي اعتبر نهاية للحرب, ولم يكن اختيار الشعب في الانتخابات لتايلور اختيارا عاطفيا ابدا, ولم ينبعث عن اي ولاء لذلك الزعيم, وانما كان اختيارا (عقلانيا) في الصميم, اذ اقتنعت مجاميع الشعب بانها مالم تصوت لصالح تايلور ليكون رئيسا, فانه سيعود لاشعال الحرب من جديد, فاذا كان الخيار هو بين نارى الحرب, والدكتاتورية, فان النار الاخيرة هي الاخف والاهون بكثير. وهكذا فاز تيالور في 1997 حتى تتوقف الحرب وتنهض البلاد, غير ان الكهرباء لاتزال مقطوعة حتى الآن ولاتزال المدارس والمستشفيات مغلقة ومحطات ضخ المياه معطلة وهياكل الانتاج مدمرة, الا بما يبقى آلة الحرب على حركتها الدائبة, ولذلك فقد ظلت حقول استخراج الماس وحدها هي محط اهتمام الدولة, حيث ان عملية الاستخراج سهلة نسبيا وتجارته قصرية الشوط, وعائدة وفير جدا, وفي هذا المساق فلقد قامت الحكومة الليبيرية ايضا بتسويق الماس المستخرج من حقول سيراليون حيث تمت مقايضته بالسلاح الذي زودت به عصابات القتل, التي كان يقودها في سيراليون احمد خوداي سنكوح رفيق التدريب الثوري لشارلى تايلور. الدور المرتقب لنيجيريا وقد استغرب الكثيرون قيام السفير الامريكي لدى منروفيا, بسمارك ميريك باتهام تايلور بالاتجار في الماس فلم يكن ذلك الا سرا من الاسرار حتى يعلن السفير الامريكي اكتشافه المثير, فالماس الليبيري والسيرياليون لم يكن يباع الا في اسواق باريس ونيويورك فما هو السر في هذا؟! ولكن ربما كان اعلان السفير الامريكي قد جاء لتحقيق متطلبات عاجلة تتعلق بقوة حفظ السلام التي ارسلتها الامم المتحدة الى سيراليون وهي اكبر قوة حفظ سلام دولية للامم المتحدة في العالم في هذا الوقت, ويشكل فشلها احراجا شديدا للامم المتحدة وما يسمى بالارادة الدولية, لذا ربما اتجه السفير الامريكي الى الضغط والتهديد (باكتشاف) ذلك حتى يثني تايلور عن التدخل في شئون سيراليون. ولكن هل لامريكا ياترى قوة لايقاف الحروب الاهلية الافريقية من تلك الشاكلة, وقد شهدنا فشلها في ايقاف الحروب بين حلفائها في منطقة البحيرات وفشلها في ايقاف حروب حلفائها في القرن الافريقي. وقبل ذلك فشلها في ايقاف الحرب الاهلية الانجولية وحرب جنوب السودان وكلها من هاتين الحربين الاخيرتين لها تداخلاتها وامتداداتها الاقليمية الخطرة تماما كحروب البحيرات والقرن الافريقي؟! اغلب الظن ان امريكا التي لم تملك قوة الايقاف تلك الحروب لن تتمكن من متع او ايقاف اي حرب اقليمية تندلع في غرب القارة, ستوكل امريكا شأن ذلك الاقليم لقوة السلام التابعة للامم المتحدة وهي قوة لن تتمكن من ردع الثوار والمتمردين العدميين, الذين ما عادوا سوى قوى هدم للاوطان, وترويع للابرياء من السكان وهكذا فاذا كان ثمة امل في ايقاف تلك الحرب العدمية المهلكة فانه يظل املا معلقا بدور ايجابي قوي تلعبه القوة الاقليمية العظمى نيجيريا لتمكين حالة سلم في سيراليون تتبعها خطوات حاسمة لمحاصرة ليبيريا, واطفاء بؤر الحرب فيها, واعادتها لتلحق بركب الدول الافريقية المستقرة بعد الدمار الذي الحقه بها تايلور, وارجعها به نصف قرن للوراء! استاذ العلاقات الدولية بالولايات المتحدة