باتت انتفاضة الأقصى مهددة بالتراجع ان لم يتحشد العرب أنظمة وشعوبا لمؤازرتها ودعمها, وهل من المعقول أن الارادات السياسية العربية قد برأت ذمتها من المسئولية القومية, عبر القرارات الصادرة عن قمة القاهرة الطارئة و.. كفى المؤمنين شر القتال؟.. لكأن قدر الأطفال والشباب الفلسطينى اذن الدفاع عن قضيتهم بالحجارة فى مواجهة النازيين الجدد, وقصف المدافع والصواريخ والدبابات والطائرات الاسرائيلية, والا مامعنى أن تظل الضمائر العربية آمنة ومغيبة وهى تتابع مشاهد المجازر المأساوية فى حسرة وألم عبر شاشات التليفزيون, وبعدها تتحول كالعادة للاستمتاع بمشاهدة المسلسلات الدرامية والبرامج الترفيهية! ليس فى سرد هذه الحقائق محاولة لجلد الذات, وانما لضرورات الصراحة مع النفس والافاقة على المخاطر الماثلة التى تتربص بالانتفاضة من كل حدب وصوب, اذ رغم مضى 3 شهور منذ اندلاعها, واستشهاد نحو 350 فلسطينى وعشرة الاف من الجرحى والمعاقين, يظل السؤال الحائر: هل يصدق الرهان على الشعب الفلسطينى بإمكاناته الذاتية لانجاز أهداف الانتفاضة فى تحرير الأرض واعلان دولته المستقلة؟ ولعلنا نستكمل السؤال: خاصة فى ظروف الحصار والفصل العنصرى ومخططات التجويع؟ والجواب يطالعنا يوميا على لسان رجل الشارع الفلسطينى قبل قياداته: نعم وبكل تأكيد, بمعنى أن الخيار الوحيد يكمن فى استمرارية الانتفاضة رغم ضراوة المواجهة وفداحة التضحيات, لأن البديل المتا ح عبر مفاوضات التسوية, مجرد كيان سياسى هزيل مقطع الأوصال بدون القدس والمسجد الأقصى, وأن يظل مليونان من اللاجئين مبعدين فى المخيمات والشتات! واذا كانت الجيوش العربية قد خاضت غمار الحرب ضد الكيان الصهيونى الوليد عام ,1948 فلأن الأمة العربية أدركت وقتئذ أن هذا الخطر السرطانى لا يتهدد فلسطين وحدها, وانما التمدد تباعا على حساب الوجود العربى برمته, ومن هنا باتت القضية الفلسطينية قضية العرب المصيرية ولب الصراع فى منطقة الشرق الأوسط, بينما ظلت العلاقة الجدلية بين القضية الفلسطينية والأمن القومى متلازمة مصيريا واستراتيجيا حتى انعقاد مؤتمر مدريد للسلام, حين انفردت اسرائيل بالتفاوض مع كل دولة عربية على حدة, وأصبحت القضية الفلسطينية شأنا يخص الفلسطينيين, يقبل العرب مايقبلونه ويرفضون مايرفضونه, وحتى اندلعت انتفاضة الأقصى وتداعت لها الشعوب العربية بالتضامن السياسى والمعنوى , وممارسة ضغوطها على الأنظمة العربية حتى عقدت قمة القاهرة الطارئة. التى أعادت القضية الى مكانها القومى الصحيح, وهكذا تم الاعتراف الرسمى بالانتفاضة والالتزام بدعمها, وهو مالم يتحقق للانتفاضة الاولى رغم استمرارها سبع سنوات متصلة! على أن هذا الالتزام لم يتحقق حتى الآن, لكأنه الحلاوة على طرف اللسان كما يقولون أو مجرد فض مجالس, ثم سمعنا طحنا عندما اجتمعت لجنة المتابعة العربية مؤخرا دون أن نرى طحين, فى الوقت الذى استنزفت السلطة الفلسطينية مالديها من احتياطيات مالية فى تسيير المرافق العامة واعانة اسر الشهداء والمصابين, ولم يعد لديها ماتنفقه الآن للوفاء بمرتبات الموظفين وقوات الأمن, صحيح أن بعض الدول العربية والمنظمات السياسية والخيرية قامت مشكورة بتوزيع المعونات العينية والنقدية داخل الأرض المحتلة, لكنها لا تعدو مجرد عملية اسعافية متواضعة, بينما المطلوب الاسهام فى سد النقص الناتج عن الحصار الاسرائيلى للاقتصاد الفلسطينى الذى تكبد حتى كتابة هذه السطور مليارى دولار, فضلا عن اعالة أكثر من 150 ألف فلسطينى كانوا يكسبون قوت يومهم من العمل فى المزارع والمصانع الاسرائيلية, ثم لم يجدوا مفرا من تكبد ألوان الذل والاهانة الاسرائيلية مجددا, بل إن القيادة الفلسطينية عادت الى ممارسة تجاربها الفاشلة مع المراوغات الاسرائيلية, عبر التفاوض مع باراك تحت رعاية الرئيس كلينتون, رغم ادراكها للمأزق السياسى لكل من رئيس الحكومة الاسرائيلية والرئيس الأمريكى, وان عملية السلام أو التسوية (العادلة) فى هذه الظروف من رابع المستحيلات. من حق القيادة الفلسطينية بالطبع أن تناضل على كل الجبهات وبكل الوسائل المتاحة, والتاريخ شاهد على سبيل المثال بجولات التفاوض بين ثوار الجزائر والاستعمار الفرنسى, لكن دون أن يتوقف النضال المسلح, وذلك هو المطلوب على وجه التحديد من القيادة الفلسطينية, ازاء التمسك بخيار الانتفاضة حتى تحقق أهدافها الوطنية كاملة على أرض الواقع, وليس عبر الاتفاقيات التى لم تلتزم بها اسرائيل ابدا, واذا كان الشعب الجزائرى قدم أكثر من مليون شهيد, فالشعب الفلسطينى على أهبة الاستعداد للتضحية والفداء حتى يتحقق النصر بالاستقلال واعلان دولته المستقلة وعاصمتها القدس, ونحسب أن خطاب الرئيس حسنى مبارك فى افتتاح مجلس الشعب الجديد, يمثل دعما سياسيا ومعنويا لنضال الشعب الفلسطينى ازاء تمسكه بعروبة القدس, باعتبارها شأنا لا يخص الفلسطينيين وحدهم, وانما الأمة العربية والاسلامية, ولن يتحقق ذلك على وجه اليقين, عبر اسناد الدفاع عن عروبة القدس فى مواجهة مخططات التهويد والاستلاب على عاتق الفلسطينيين وحدهم, وانما عبر حشد الطاقات والامكانات العربية لدعم الانتفاضة باعتبارها خط الدفاع المتقدم عن الأمة العربية, فى اطار خطة استراتيجية شاملة ومؤهلة لحسم الصراع مع اسرائيل واستعادة حقوقنا المشروعة, فالقضية باتت أن تكون الأمة العربية برمتها أو لا تكون, خاصة بعد أن أكد الرئيس بوش الابن التزام أمريكا السافر بأمن اسرائيل وحدها, كونها مفتاح الاستقرار والدفاع عن مصالحها فى الشرق الأوسط!