تغطية الفشل الأمني باعتداء غير مبرر على طرف ضعيف صار الطابع المميز للسياسة الخارجية الامنية للولايات المتحدة. وقرار مجلس الامن الدولي الاسبوع الماضي الذي تقف وراءه واشنطن بغرض المزيد من العقوبات على نظام (طالبان) في افغانستان يأتي كأحدث نموذج عملي لهذه السياسة. ان هذا القرار يتضمن ضمن اشياء اخرى حظرا عالميا لامدادات السلاح الى طالبان. وبما ان قوات حكومة طالبان تخوض حربا ضد قوات معارضة فإن من الواضح ان الهدف الاول من القرار هو اضعاف القوة القتالية للجيش الحكومي. اما المبرر الامريكي للعقوبات فهو, كما يقولون, اسطوانة قديمة: رفض طالبان تسليم اسامة بن لا دن الى الولايات المتحدة. لقد سبق ان لجأت الولايات المتحدة الى اجراء عسكري ازدواجي بقصف هدفين داخل افغانستان والسودان في آن معا بصواريخ طويلة المدى. قصفت منطقة جبلية افغانية بأمل اصابة كهوف اعتقدت الاستخبارات الامريكية ان بن لادن وأقرب مساعديه يقيمون فيها. ودمرت مصنعا للأدوية في الخرطوم بذريعة انه ينتج مادة تدخل في تصنيع الاسلحة الكيماوية وأن بن لادن يساهم في رأس ماله. كانت النتيجة فشلا ازدواجيا فاضحا. فمن ناحية لم يصب بن لادن او اصحابه بأذى.. ومن ناحية اخرى تبث ان ذريعة ضرب المصنع السوداني باطلة وملفقة باعتراف خبراء امريكيين وغير امريكيين. هذه الضربة الازدواجية كانت في الحقيقة تعبيرا عن حالة احباط وفشل. فقد كانت واشنطن قد وصلت الى طريق مسدود فيما يتعلق بتحديد الشخص او الاشخاص المسئولين عن تدبير وتنفيذ حادثة تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام. ولتغطية هذا العجز الامني امام الرأي العام العالمي اعلنت اجهزة الاستخبارات الامريكية انها تشتبه في اسامة بن لادن فطالبت الحكومة الافغانية بتسليمه. لكن واشنطن فشلت في تقديم ادلة عندما طالبتها حكومة افغانستان بذلك. ومضت شهور طويلة ظن الناس بعدها ان الولايات المتحدة صرفت النظر نهائيا عن بن لادن. وعلى حين فجأة وقعت حادثة تفجير المدمرة الامريكية (كول) في ميناء عدن اليمني. ومرة اخرى انتهت واشنطن في مسار التحقيق الى طريق مسدود. فحتى الآن مضى شهران دون ان تتوصل الاجهزة الامنية الامريكية الى اي حقائق صلبة يمكن على اساسها ان توجه اتهاما الى شخص محدد او جهة محددة. هنا اعادت واشنطن تشغيل اسطوانة بن لادن القديمة فمن اجل تغطية الفشل الامني في حادثة (كول) اشاعت واشنطن ان اسامة بن لادن على صلة بتدبيرها. ومرة اخرى جددت مطالبتها الى الحكومة الافغانية لتسليمه ومرة اخرى تعجز عن تقديم ادلة تبرر عملية التسليم. لكن هذه المرة تراءى للولايات المتحدة فيما يبدو استخدام غطاء دولي للفشل. ومن هنا كان نقل المسألة الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار العقوبات الجديد ضد الحكومة الافغانية. ويبقى سؤال: ثم ماذا بعد؟ هل يدفع جنون الاحباط بالولايات المتحدة الى شن هجوم عسكري على افغانستان؟ ما يخطر على البال فوريا هو ان واشنطن دبرت هذا القرار الدولي لتهيئة الرأي العام العالمي لضربة مبيتة ضد افغانستان. لكن ربما يكون الارجح, في ظل تفاعل الانتفاضة الشعبية في فلسطين وما اثارت من مشاعر غاضبة ضد الولايات المتحدة في العالم الاسلامي, ان قرار العقوبات غاية وليس وسيلة.