عندما تمكن الجيش السوفييتي في الحرب العالمية الثانية من فك الحصار, الذي دام حوالي ثلاث سنوات عن مدينة ليننجراد الشهيرة, وهزيمة الجيش الالماني السادس الذي كان يحاصرها, وأسر جميع افراده البالغ ، عددهم 350 ألف جندي وضابط وعلى رأسهم قائد الجيش الفيلد مارشال فان باولوس احد اشهر القادة العسكريين الالمان, شكلت تلك الهزيمة ضربة قاسية للعسكرية الالمانية التي كانت حتى ذاك الوقت تزهو بانتصاراتها, ولم تحتمل القيادة الالمانية النازية وقوع احد (مارشالاتها) البارزين في الاسر, فسعت الى اطلاق سراحه بكل السبل وتفطنت الى ان بين الاسرى السوفييت لدى الالمان ضابط صغير هو ابن الزعيم السوفييتي الشهير جوزيف ستالين, فوجدتها فرصة لمساومة الزعيم السوفييتي على اطلاق سراح ابنه مقابل الفيلد مارشال, وكلفت الصليب الاحمر الدولي ان يعرض عليه هذه المقايضة مقرونة بالتهديد باعدام ابنه في حال رفضه المقايضة. وعندما وصل العرض الى جوزيف ستالين لم يتردد في الجواب ولم يتوقف عند عاطفة الابوة, ولم يفكر في مصير ابنه في حال رفضه العرض بل كانت مصلحة الوطن والامة هي التي انطقت لسانه بالقول لمندوب الصليب الاحمر الذي نقل له العرض (ابلغ من ارسلوك انني لا ابادل مارشالا بجندي). وبعيدا عن اية اسقاطات او اعجاب بالاشخاص, ومع كامل الادراك لاختلاف الظروف وموازين القوى, فان الدلالة الهامة لهذه الواقعة هي رفض مبدأ المقايضة, او المساومة على حق لحساب حق آخر, او تغليب العواطف والمشاعر على المصالح والحقوق الوطنية, سواء كانت مشاعر ابويه, كما هي في هذه الحالة, او مشاعر دينية كما هي حالتنا الفلسطينية استذكر هذه القصة وانا اسمع ما يتردد الآن في اجواء المفاوضات عن مقايضة السيادة على الحرم بعودة اللاجئين ورغم ان الحديث في هذا الموضوع لايعدو حدود التكهنات او التسريبات الصحفية, او ان اطلاعنا هو في حدود ذلك, فان اطلاق مثل هذه البالونات يثير المخاوف ويستوجب الحذر, ويدفعنا للتنبه والتنبيه الى خطورة الدخول في هذه اللعبة. نعرف الموقف الاسرائيلي من قضية اللاجئين وهو رفض الاعتراف بمسئوليته عنها ورفض الالتزام بحقهم في العودة, ونعرف ان كل القضايا المطروحة للتفاوض قابلة للمساومة عند الاسرائيليين اكثر من موضوع عودة اللاجئين وحتى قضية القدس ليست خارج دائرة المساومة لديهم, وقد تبين ان ادعاءاتهم بأن القدس من بين خطوطهم الحمراء ليست اكثر من استدراج لمزيد من التمسك الفلسطيني والعربي بها, او مجاراة للتضخيم الذي احطنا به قضية القدس, فيبدو اي تنازل جزئي بسيط من جانبهم في موضوع القدس او الحرم وكأنه تنازل كبير يستحق ان ندفع ثمنه الكثير, وهذا الكثير الذي يريدونه هو تنازلنا عن حق العودة للاجئين. واذا كانت اسرائيل تراهن على امكانية جر الشعب الفلسطيني الى القبول بمثل هذه المقايضة, فانها ومن يجاريها في هذا الرهان يخطئون الحساب, لا من حيث تقدير الثمن, وانما من حيث تقدير الخطأ الذي يقعون فيه حين يقللون من حجم الاخطار والعواقب التي تواجه رهاناتهم, بل ان كل من يفكر بحل قضية اللاجئين على هذا الاساس, يؤكد انه لم يستوعب دروس هذه القضية على مدى اكثر من نصف قرن, فقد ظلت عصية على كل من حاول تجاوزها او تذويبها, ولم تستطع كل اشكال الاضطهاد والقمع والتجويع التي تعرض لها اللاجئون ولا الحروب العديدة التي عصفت بالمنطقة, ولا العدوانات والاحتلالات الاسرائيلية ان تذيب هذه القضية, او تنزعها من قلوب وعقول ابنائها, بل ان الكثير ممن حاولوا المساس بها, او التجرؤ عليها غيبتهم واحرقتهم, وبقيت شعلتها متوهجة تترصد كل من يحاول الاقتراب منها. وتأكيدا للمكانة التي تحتلها قضية اللاجئين لدى الشعب الفلسطيني, وحركته الوطنية بكل اطرافها وتياراتها بالنسبة لمكانة القدس ــ مع ان المفاضلة بين الحقوق او تجزئتها مبدأ مرفوض من اساسه ــ فان حق العودة لن يأتي في المرتبة الادنى, واذا كانت القدس جزءا من القضية الفلسطينية, فان عودة اللاجئين هي القضية كلها, واذا كانت القدس قطعة من الوطن فاللاجئون هم الوطن كله, لكن هذه التوصيفات لا تعني المفاضلة بين القضيتين, ولا تقديم احداهما على الاخرى من حيث الاهمية, وانما لتأكيد اهمية القضيتين ومكانتهما لدى شعبنا العربي الفلسطيني, وعدم الفصل بينهما او بين اي منهما ومجمل الحقوق القومية لشعبينا. وبمعنى آخر فاننا لا نضع قضية عودة اللاجئين عقبة في طريق عودة القدس ان كانت هناك امكانية لاستعادة القدس و اي جزء منها ولا عقبة في طريق اقامة الدولة المستقلة ان كانت هناك امكانية لاقامتها ومن الممكن ان يتفهم شعبنا ويرحب بعودة القدس, والارض التي احتلت عام 67, واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة, تمهيدا لتحقيق حق العودة فيما بعد لكنه لا يقبل ان يمر طريق الدولة او القدس عبر التضحية بحق اللاجئين في العودة او التنازل عنه. يدرك شعبنا حجم العقبات التي تقف في طريق تمكين اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العودة الى ارضهم وممتلكاتهم, والتي تجعل من ذلك امرا في غاية الصعوبة في ظل الظروف الراهنة. لكن هذه الظروف لايمكنها ان تقنع شعبنا بعدم امكانية اقرار اسرائيل بحق جميع اللاجئين المشروع في العودة الى اراضيهم كمسألة مبدئية, وتبقى مسألة تطبيق هذا الحق هي موضوع البحث والمفاوضات من حيث آلية التنفيذ وكيفيتها والمدة التي تستغرقها وتوفير شروط استيعابهم وتأهيلهم في ارضهم والاعداد التي يمكن استيعابها سنويا حتى لو استغرق الامر سنوات وسنوات. لكننا بذلك نكون قد ثبتنا حق العودة من جهة وقطعنا الطريق من جهة اخرى على ادعاءات اسرائيل بعدم قدرتها على استيعاب ملايين العائدين دفعة واحدة, وفضحنا في كل الحالات منطقها الاستعماري العنصري الذي هو اساس المشكلة. ويستوي في هذا الحق جميع اللاجئين من هم في شتات المنافي والقابعون على حدود وطنهم او في داخله في الضفة والقطاع او حتى اولئك المهجرون من مدنهم وقراهم ممن يعيشون كمواطنين في دولة اسرائيل وليس في وسع احد ان يفرق من حيث الحق والرغبة في العودة بين غني وفقير, بين ساكن المخيم وساكن القصور, او بين حملة وثائق سفر اللاجئين الذين يسد اخوانهم العرب ابوابهم وحدودهم في وجوههم او اولئك الذين يحملون جوازات سفر الدول الغربية التي تنفرج اسارير موظفي الامن في مطاراتنا وحدودنا العربية عند رؤيتها. هذا هو الخيار الممكن لحل قضية اللاجئين في اطار اي عملية تسوية يجري التفاوض عليها اما اذا رفضت اسرائيل ذلك واصرت على تأجيل قضية اللاجئين او القفز عنها فان الخيار البديل امام الجانب الفلسطيني هو رفض الاقرار او الالتزام بانهاء الصراع وربط ذلك بحق اللاجئين في العودة وفي كل الحالات يجب الانتباه للصيغ الغامضة التي قد تطرحها اسرائيل او حلفاؤها الامريكان بالحديث عن فلسطينيين غير محددين, واماكن غير محددة وحقوق عائمة وتوقيتات مفتوحة, بل يجب رفض مثل هذه الصيغ, لان التورط فيها ستكون عواقبه وخيمة على اللاجئين والمنطقة بأسرها واستقرارها ونعتقد ان تجربة صيغ اوسلو كفيلة بان تعلم من لم يتعلم. كاتب فلسطيني