أحداث هذا الشهر الذي يشارف على الانتهاء كثيرة ومتباينة الى درجة التعقيد والاختلاط, يختلط فيها الهم العام بالخاص, وتتعقد فيها امور السياسة كما تتعقد ميزانيات الدول وميزانيات البسطاء في العالم العربي والاسلامي، وهم يعيشون تحت وطأة ظروف صعبة, بعضهم ينتظر رفع الحصار, وبعضهم بانتظار رحمة امريكا, وبعضهم ينتظر ارغفة خبز من وكالات الغوث الدولية. احداث فلسطين تدفع الانسان الى الانفجار غضبا, ولقد انفجرت الشوارع بهذا الغضب, لكن الخبراء والمختصين بالشأن السياسي العربي الداخلي عرفوا تماما كيف يصبوا الماء البارد جدا على ذلك الغضب, فحولوه في البداية الى مناظرات تلفزيونية وحوارات ساخنة بلا نتيجة, ثم اداروا دفة الامور كلها بمقدار 360 درجة باتجاه تيارات عربية ذات اسماء رنانة سحبت البساط من الفقراء والغاضبين في شوارعنا العربية لتضعه تحت اقدام السلطة العربية في غمضة عين فصار الناس يراهنون على ردات فعل الزعماء والقادة والثوار الابطال, وآخر اقوالهم وحواراتهم من خلال تلفزيوني (الجزيرة) و (ابوظبي) لأنهم اقتنعوا ـ او اقنعوهم بمعنى أصح ـ بأن ما يجري في الشارع مجرد غوغائية عاطفية بلا جدوى. لقد انتهت كل الرهانات على المواقف الرسمية والشعبية والدولية بينما لايزال الرهان ساريا على نضالات الفتية الصغار الذين يذهبون يوميا الى الموت بعنفوان الحياة وضجيج الشباب, سقطت كل الاقنعة, وسقطت كل الرموز ــ هذا اذا كان مازال هناك رموز ـ سقطت حكومة باراك, واسطورة امريكا الديمقراطية راعية السلام, وسقط الحرص العربي على زهرة المدائن, والاهم من كل ذلك سقوط اكذوبة ان العرب كلهم متفقون على عداوة اسرائيل! في شهر واحد, قامت قيامة الدولة العظمى, واختلط فيها الحابل بالنابل عندما اختلطت فيها أوراق اللعبة الديمقراطية الانتخابية في محاكم فلوريدا بين المرشحين آل جور وبوش الابن, وكادت سمعة الدستور الأمريكي وآليات القانون الانتخابي ونزاهة الصناديق الأمريكية والذمم الأمريكية (المحصنة ضد التزييف والفساد) أن تتمرغ في الوحل, لولا لعبة أخرى تدخلت في الوقت المناسب ــ كما يحدث في المسلسلات العربية ــ لترفع الأمة الأمريكية من مستنقعها الكبير. في شهر واحد فقدت فيه أمريكا اهتمامها بما يحدث في الشرق الأوسط فتوقف نزول الطائرات الأمريكية الحاملة للدبلوماسيين والوزراء والمنسقين والوسطاء في السماوات العربية الساخنة, اكتفت أمريكا بالفرجة على ما يحدث في فلسطين من خلال شاشة الـ CNN ولقاءاتها وتقارير مراسليها, وتركت الجنرال (باراك) يواجه فشله السياسي في مواجهة الانتفاضة, وفي مواجهة خصومه الذين تكتلوا ضده وأنصاره الذين تبرأوا من سياساته, حتى اضطر لتقديم استقالته, واعلانه عن انتخابات مبكرة. في شهر واحد ودعت فلسطين مئات الشهداء, وجلست تحت جنح الظلام بعد أن قصفت اسرائيل كل شيء, تداوي آلاف الجرحى, وتتلفت يمينا ويسارا بانتظار امدادات عاجلة من الأدوية والغذاء والاحتياجات الإنسانية لأسر الشهداء والجرحى, بينما تعبث إسرائيل في قاع الجرح الفلسطيني تغلق مطار غزة حينا وتفتحه حينا, تضرب حصارها على مناطق الحكم الوطني الفلسطيني, تنسف المدن, تغتال القيادات الإسلامية, تفجر, تضرب البيوت على رؤوس سكانها وتتفنن في بطولات الاجرام وسفك الدماء علانية, بينما يتفنن العالم في بطولة الصمت والخذلان بشكل يدفع للانفجار غيظا.