منذ حوالي ثلاثة اسابيع تقريبا كتبنا في هذه الزاوية عن الدراما التاريخية التي تتحفنا بها محطاتنا الفضائية العربية, ولم نكن وقتها سعداء بما آلت اليه حال الاقصوصة التاريخية لانها تحولت الى مسخ لا ينتمي الى منظومة معارفنا بشيء, بل انها شكلت قطيعة بين خزين ذاكرتنا وابهارنا الحالي. واذا كنا لا نقصد من خلال ذلك دراما معينة, فإننا نضع اصبعنا على جرح الاستهلاك والتكرار والمراوحة.. واحيانا التراجع. فمن يشاهد تلك المسلسلات التاريخية بأزيائها العجائبية وديكوراتها الغرائبية سيعرف ما هو قصدنا مما تقدم, وعليه يجب ان نطرح اسئلة تستحق الاستفاضة في الاجابة, اين تجري هذه الاحداث؟ من هي تلك القبائل؟ ولماذا ترتدي احدى البطلات ثياب كساندرا (نسبة الى ممثلة مكسيكية في مسلسل مكسيكي مشهور)؟ وهل ابناء القبيلة هم نساء جميلات ممشوقات القوام يستعملن احدث المكياجات العالمية, ورجالها رياضيون وسيمون اصواتهم جهورية, واين اطفال القبيلة وعجائزها, واين حيواناتهم وما هو مصدر رزقهم؟ وكيف قيض لابناء تلك القبيلة او غيرها ان يرتدوا تلك الاقمشة اللماعة الفاخرة؟ عشرات الاسئلة التي تمتد من عصر القبائل والغزوات الى عصر الاستعمار التركي حسبما يفترضه ذكاء القارىء, وجميع تلك الاسئلة تصب في جدول واحد اسمه التاريخ, واقع عاشه الاجداد وليس اسطورة افترضها خيال كاتب او مخرج, ولم تسق الينا قصص التاريخ شيئا مما رأيناه في تلك المسلسلات سوى اسماء منتقاه من قواميس اللغة مما يؤكد بعد المسافة التاريخية بين الاحداث وبين عصر الجاهلية الذي وصلتنا اخباره شعرا. وهنا اذكر حوارا اجري سابقا مع المعلم منصور الرحباني قال فيه ان (الفن ليس درسا في التاريخ) وهذا القول يؤكد ما ذهبنا اليه في البداية اننا نريد ان ننشغل بالقصة وليس بالجمل البصرية الابهارية التي لا علاقة لها بالحياة انذاك, فالقبائل التي عاشت في عصر الجاهلية او ما قبل لم تكن الى تلك الدرجة من الرفاهية والمنعة, لاننا نعرف انه لم تكن هناك دولة بالمعنى المعروف سابقا للدول او الامبراطوريات, وكانت الحياة قاسية لأسباب جغرافية واقتصادية, بل ان القبائل العربية القوية ـ كما نقلت لنا كتب التاريخ ـ كانت تدور في فلك احدى الامبراطوريتين الفارسية في الشرق والرومانية في الغرب وهي يعني جملة من المشكلات في الهويتين الدينية والقومية, لم تشر اليها المسلسلات التاريخية, لانها استعذبت جملة (فانتازيا تاريخية) وراحت تعزف عليها حلقات واجزاء حتى اصابتنا بالملل واليأس, حيث تمر عشرات المشاهد التي يمكن اختصارها في مشهد او مشهدين كما تمر عشرات الجمل التي تدخل في اطار الثرثرة لاملاء وقت الحلقة واطالتها لمدة ثلاثة ارباع الساعة وبذلك يصبح لدينا مسلسل من ثلاثين حلقة نتسلى به طيلة الشهر الفضيل. وكل مسلسل وانتم بألف فانتازيا تاريخية.. او مكسيكية.