حضر الى الحفل مبكرا, اختار زاوية بارزة, يراه كل الداخلين, يفرض عليهم المرور قربه. وجلس ينتظر. كان يبتسم على غير العادة, العادة القديمة. اليوم لا يغلق فمه, يحاول ان يتكلم في كل شيء, ومع من يصادفهم, قد لا يعرف من يكلم, لا يهم, هم جميعا يعرفونه. يبادر بالسلام, يرفع يده يمدها عاليا اكثر من المعتاد, يؤشر بها في الفضاء, للجميع, يحاول ان يبحث عن كاميرات الاعلام, يريها وجهه لمرة واحدة فقط, ويتشاغل عنها, ستلاحقه, انها كانت تبحث عنه دائما, تتبعه, تزعجه. قديما كان هذا حالها معه. اين هم؟ الناس, العدسات المصوبة نحوه, ولماذا يصمت هاتفه النقال. الهاتف الذي كان لا يسكت منذ الفجر وحتى الفجر, والذي لا يرد عليه الا عندما يريد, وللذين يرغب في سماع اصواتهم, عندما يريد. اين هم الاصدقاء؟ اين هم المزعجون؟ حتى اولئك الذين كانوا لايطيقون بعده, يرقبونه في الطريق, يفسحون له المجالس, يجلسون ينتظرونه, يقدمونه في كل امر, يردون عليه قبل ان يتكلم, تكفيهم منه اشارة الكلمات المختصرة. اين ذهبوا جميعا, لماذا تغيروا؟! ان الحفل يتحرك, سلامات وابتسامات وجماعات. لا احد يقترب منه, هو يحاول ان يقترب, يلتصق, يمد لهم يده, يمسكون بها, يرمونه بابتسامة عابرة, يهرولون عنه, لا يسألونه عن حاله. بعضهم نسي حتى اسمه. لماذا هو وحيد؟ لماذا هو غير مهم؟ انه لا يصدق فعل الزمن فيه, يحاول ان يكذب واقع الناس معه, ينتظر ان يعود ذلك الماضي. يمني النفس بذلك اليوم, يراه قريبا. في دواخله يشتهي ان يعلّم هؤلاء جميعا درسا, يجعلهم يعرفون مدى حاجتهم له, لن يغفر لهم. قد يسامحهم لو عادوا له في الحاضر, سيذكر فقط اولئك الذين عرفوا قدره ـ القديم طبعا. يبدو انه لن يسامح احدا, ليس هناك من يتذكر الماضي. خاصة اذا كان ماضيا ليس فيه كثير من المصلحة والخدمات, او ابسط من ذلك, شيء من المعاملة الطيبة, قليل من الاحترام. هذه الشخصية هو صاحب كرسي وظيفي مهم, اهميته ـ الكرسي ومن يجلس عليه ـ انه مرتبط بمصالح وقضايا الناس, تعود الاضواء وطوابير المراجعين, وما يقدم له من خدمات واهتمام من جميع الذين يعنيهم موقع هذه الشخصية. طار الكرسي بفعل حكم الزمن وتغير الظروف والبحث عن الافضل, ولكنه ـ اي صاحب الكرسي ـ لم يصدق ذلك, دائما يحاول ان يكذب الواقع الجديد, الذي يقول ان ما كان فيه في الماضي, كان من اجل مكانة الكرسي, لم يكن من اجل الجالس عليه. ان حكاية الناس مع الكرسي لا تتوقف عند مثل هذه الشخصية, انها قبله وستستمر بعده في اشكال وصور مختلفة. انها في تركيبة الانسان تسكن خارطته الوراثية. يتحول الزمن والمكان, وتتطور الحياة, يكبر عقل الانسان ومفاهيمه, وتتبدل ثقافته واهدافه, كل شيء فيه ومن حوله قابل للتغيير, الا عقدة الكرسي, عند من يجلس عليه, وعند من ينظرون له ويحيطون حوله. تظل عقدة مزمنة عند السواد الاعظم. (ابن مقلة) احد اولئك الذين مروا بتجربة الكرسي, وعاش اللحظتين: لحظة مجد التربع عليه, ولحظة السقوط, فأرسل صرخته منذ ذلك الزمان, يوصي ويحذر ويتمنى. ابن مقلة هذا شاعر وزير. وزّر ثلاث مرات في عهود ثلاثة خلفاء, ودفن ثلاث مرات. تمثل سيرة حياته ومماته حكاية مأساوية غريبة, من قصص ابن مقلة, الذي كان ذكيا ويمتاز بخطه الجميل, انه في احدى المرات التي قلد فيها الوزارة, قام يهودي بسرقة ورقة تحمل خط ابن مقلة من بيته بواسطة جارية الوزير التي نشأت بينها وبين اليهودي علاقة عشق وغرام, فسربت له ما اراد. وعمل اليهودي على تقليد خط ابن مقلة حتى اتقنه, وأرسل الى احد الخارجين على الدولة الاسلامية رسالة اوضح فيها بعض اسرار البلاد. واكمل اليهودي فعلته ان سرب الخبر حتى وصل الى الخليفة الراضي بالله, ومفاد النبأ ان ابن مقلة هو الذي قام بهذه الفعلة, والدليل هو نسخة الرسالة الموجهة بخط الوزير. غضب الخليفة غضبا شديدا, وتوعد الوزير الخائن, وطلبه وكان ذلك في يوم وقفة عرفة, فأمر بقطع يده, جزاء فعلته. صدم ابن مقلة لهذا الامر العظيم, وعاد الى بيته بيد مبتورة, واصبح يوم العيد, فاذا به وحيدا, لا احد يسلم عليه, او يقترب من بيته. وحدث ان الخليفة علم بأمر الخيانة التي حدثت لوزيره, وذلك في منتصف اليوم, الذي هو يوم العيد, فندم ندما شديدا على فعلته, وتم اعتقال الىهودي والجارية, وامر بقتلهما شر قتلة. وارسل الى ابن مقلة اموالا وخلعا كثيرة, معتذرا له. هذه الحادثة والدرس الذي تعلمه منها الوزير, حركت فيه شاعريته, فكتب على باب داره: تحالف الناس والزمان فحيث كان الزمان كانوا عاداني الدهر نصف يوم فانكشف الناس لي وبانوا يا ايها المعرضون عني عودوا فقد عاد لي الزمان قليلون الذين يتعلمون من العبر. غيرهم يشغله الكرسي عن قراءة التاريخ.