باستقالة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك واختيار حزب العمل له مرشحا لرئاسة الحكومة من جديد دخلت المعركة السياسية في اسرائيل في نفق يصعب رؤية الضوء في نهايته دون معرفة الى ما ستنتهي اليه، الهجمات المباغتة بين باراك وخصومه من حزب الليكود وتحديدا رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو, اذ ان باراك الذي اعتقد انه باستقالته نجح في ابعاد نتانياهو من ساحة المنافسة على منصب رئيس الحكومة ينتظر رد الليكود والجماعات الدينية ويخشى من ان يلجأ الكنيست الى اتخاذ اجراءات سريعة تسمح بدخول نتانياهو حلبة المنافسة على المنصب في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي الى تقدمه بفارق كبير على كل من باراك وشارون, والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي دفع بباراك الى الاستقالة في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها اسرائيل والمنطقة عموما؟ يمكن القول ان هناك ثلاثة اسباب اساسية وراء استقالة باراك: الاول: خروج الانتفاضة الفلسطينية التي تخط ايامها بالدم عن الحسابات السياسية والامنية لباراك, اذ ان باراك الذي تأكد بأن نهجه الامني اخفق في اخضاع الشعب الفلسطيني وتضحياته اللامحدودة وان سياسته اوصلت عملية السلام الى طريق مسدود ولم تعد مناوراته تنفع في الحد من الاعمال البطولية للشعب الفلسطيني الذي يتوق الى الاستقلال واقامة دولته الوطنية وعاصمتها القدس.. باراك هذا وضع حكومته امام المفاعيل السياسية للانتفاضة وانعكاساتها على الوضع الداخلي الاسرائيلي بشكل اضحت حكومة باراك عاجزة حتى عن اقناع شركائه في الائتلاف الحكومي الامر الذي استغله الليكود في دفع الاوضاع الحكومية نحو عنق الزجاجة سعيا لمكاسب سياسية في الانتخابات المقبلة. الثاني: باراك الذي اتجه تحت تأثير الانتفاضة الى تشكيل حكومة وحدة مع الليكود اصيب بنكسة في هذا المجال, ووجد نفسه يتخذ موقع نتانياهو وسياسته السابقة حيال عملية السلام, ومع هذا الانبعاث النتانياهوي لباراك ادرك الاخير انه سيخسر حزب العمل ايضا الامر الذي اراد باراك من استقالته المفاجئة توجيه (ضربة معلم) لخصومه وذلك بحرمان نتانياهو من ترشيح نفسه انطلاقا من ان الدستور الاسرائيلي يحصر الترشيح لمنصب رئيس الحكومة باعضاء الكنيست وهو الامر الذي لا يتوفر في نتانياهو بعد استقالته من الكنيست ومن رئاسة الليكود اثر هزيمته في انتخابات عام 1999 ولكن السؤال ماذا سيفعل باراك اذا اتخذ الكنيست اجراءات تسمح بعودة نتانياهو الى حلبة المنافسة؟ الثالث: ان باراك الذي اوصل الاوضاع في المنطقة الى ظروف حرجة بات يحسب احتمال انفجار الاوضاع مع سوريا ولبنان وحدوث حرب مفتوحة على احتمالات غامضة يصعب معرفة نتائجها السياسية ومثل هذا الحديث (الحرب) بات يتردد بقوة على لسان كبار الجنرالات العسكريين في تل ابيب, وباراك العسكري يدرك ان للحرب نتائج مدمرة على الجميع وهو في حساباته النهائية لا يريد ان يكون هو السبب عن ما يحدث جراء مثل هذه الحرب, ولعله وجد في استقالته كبحا للجنون الاسرائيلي الذي يصر على قسر الامور انطلاقا من المصلحة الاسرائيلية على حساب الحقوق التاريخية والطبيعية والقانونية والسياسية للعرب. مهما كانت الاسباب التي دفعت بباراك الى الاستقالة فإن الاخير باستقالته ادخل اسرائيل والاحزاب السياسية الاسرائيلية في حالة من البلبلة والخوف من انقلابات سياسية حزبية تؤدي الى المزيد من التطرف السياسي في ظل استمرار الانتفاضة كما انه ادخل المنطقة في حالة من الترقب والحذر بانتظار وضوح المشهد السياسي الذي سيخلف الانتخابات المقبلة, وبانتظار ذلك ماذا سيفعل باراك؟ لعله يفكر بكيفية الاحتفاظ بمنصبه وبالثمن السياسي المطلوب للحصول على اصوات الناخب الاسرائيلي. في الواقع, تبدو المسألة مفتوحة على اتجاهين متناقضين, ومع هذا التناقض يبدو باراك مرتبكا ومحرجا للغاية في خياراته السياسية المحصورة في اتجاهين لا ثالث لهما: الاول: التوصل الى اتفاق سلام على وجه السرعة مع الفلسطينيين ولعل هذا افضل خيار للبقاء في السلطة, ولكن السؤال كيف سيتعامل باراك مع الانتفاضة؟ هل لديه القدرة على تلبية مطالب الانتفاضة واهدافها السياسية؟ هل لديه القدرة على تحريك الادارة الامريكية في ظل الظروف التي تمر بها هذه الادارة من اجل استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية بعد تقديم ضمانات اكيدة للفلسطينيين بحقوقهم الوطنية المشروعة في السيادة والاستقلال, فالمسألة تتجاوز مناورات باراك واقواله وتصريحاته السلمية الى اقرار عملي ملموس بحاجة الى ترجمة فعلية على الارض ما دامت الانتفاضة حفرت مجراها في الارض انجازات سياسية. الثاني: خيار التوجه الى اقصى اليمين واستخدام اقصى درجات العنف ضد الفلسطينيين بتحويل مدنهم وقراهم الى دمار وخراب في سبيل كسب اصوات اليمين, ومثل هذا الخيار ينطوي على اخطار كبيرة لا على باراك ومستقبله السياسي فحسب بل على اسرائيل والمنطقة بالكامل, اذ من شأن هذا الخيار فتح باب العنف على مصراعيه في المنطقة بعد ثلاثة اشهر من الاحتقان السائد في دول المنطقة وعواصمها وتزايد الدعوات المطالبة باتخاذ اجراء فعلي ملموس ضد اسرائيل لردعها عن اعتداءاتها الوحشية ضد الشعب الفلسطيني. في الواقع بقدر ما تبدو خيارات باراك محدودة ومتناقضة بقدر ما تنطوي على مجازفة سياسية والنجاح فيها ليس مضمونا بأي حال. فباراك في خياره السلمي يراهن على رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات من خلال القول بأنه الانسب والاكثر استعدادا وتجاوبا من شخص آخر من الليكود للتوصل الى اتفاق سلام, ولكن لسان حال السلطة الفلسطينية يعد حتى الآن استقالة باراك شأنا داخليا وموضوع الحقوق الفلسطينية مسألة خارج الحسابات السياسية الداخلية للعمل والليكود, في حين ان خيار باراك الذهاب الى اقصى اليمين يبدو بمثابة انتحار سياسي له ولحزب العمل بل ولأسس عملية السلام في الشرق الاوسط بما في ذلك الدول التي وقعت في السابق على اتفاقات سلام مع اسرائيل. ان استقالة باراك والابعاد السياسية لهذه الاستقالة تكشفان عن عمق الازمة البنيوية في اسرائيل حينما لا يكون خيار التعامل مع الشعب الفلسطيني من باب الاعتراف بحقوقه المغتصبة وحينما لا يكون الانطلاق حيال العرب نابعا من السلام الحقيقي الذي يحقق العدل والاستقرار والامن فباراك الذي جاء الى سدة الحكم على خلفية السياسات والمواقف المتطرفة لنتانياهو وجد نفسه يأخذ موقع الاخير وسياساته. ولعل التحدي الاكبر لأي رئيس وزراء اسرائيلي مقبل يكمن في التحول عن مفاعيل هذه البنية السياسية التي هي في اطارها العام وحركتها السياسية عاجزة عن ترجمة السلام بمفهومه الحقيقي. كاتب سوري