بعض الدول العظمى تتعامل مع الدول الصغرى وكأنها قاصر لا تميز بين المفيد والضار, وبذلك لا تملك حق اختيار طريقها في ممارسة السياسة, الداخلية أو الخارجية, التي تتناسب مع وضع شعبها ومشكلاته، أو وضعها بين جيرانها وعلاقاتها التاريخية معهم, وتستخدم الدول العظمى في تعاملها مع الدول الصغرى طرقا عدة من التجاهل الكامل للسلطات الوطنية لتلك الدول بالتدخل المباشر وكأن السلطات الوطنية للدولة الصغرى مجرد لعبة لا تنطق ولا تملك من أمرها شيئا, وبالتالي ليس لها حق الاعتراض. أو التخويف بالتلويح بسياسة القوة على طريقة (فتوات الحي), وإذا حدث تمرد على تلك السياسة يمكن تأديب السلطات الوطنية المحلية من خلال الانقلابات, أو إحداث القلاقل الداخلية التي تزيد من صعوبة السيطرة على الوضع الداخلي, وإذا كانت السلطة الوطنية مدعومة من الشعب فلا حرج من تأديب الشعب كله باعتباره قاصرا أيضا, ولا يعرف (مصالحه الخاصة) كما قال الرئيس الأمريكي نيكسون عندما قرر الشعب التشيلي اختيار الاشتراكي سلفادور الليندي رئيسا له, فكان الانقلاب العسكري الشهير عام 1973 بقيادة الجنرال الدموي أوجوستو بينوتشيه. أما إذا تعذر تنفيذ هذه السياسة أو تلك, قامت الدولة العظمى بنصب سيرك للسياسة الدولية, فيه من ألاعيب الحواة أكثر مما فيه من ألاعيب السياسة, التي تحكمها قواعد دولية معروفة, ويصل اللعب في ذلك السيرك إلى حد فتح (جدل) لا يختلف عن ذلك الجدل الساخر حول أولوية الوجود في الحياة (البيضة أم الدجاجة). هذا السيرك الأخير هو المقام حاليا على الساحة السياسية الوطنية في كولومبيا, ويشمل أيضا علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية, التي لم تعد تجد طريقة لإعلان نفوذها بشكل مكشوف في أمريكا اللاتينية في ظل انحسار عدد تابعيها من حكام القارة, ووجود بعض أصدقائها القدامى في أوضاع لا يحسدون عليها, كما هو الحال في التشيلي التي تضع عميل أمريكا السابق الدكتاتور الجنرال اوجوستو بينوتشيه تحت الحراسة, أو الأرجنتين التي لا يزال (انقلابيوها) في السجون, أو البيرو التي فر منها رئيسها لأن المخابرات المركزية الأمريكية لم تعد قادرة على حمايته أو التمويه على فساده بعد أن تعدى المسموح والمحرم في الفساد السياسي والمالي. وبعد أن فقدت قوات التدخل السريع الأمريكية قاعدتها في بنما قبل عام من الآن, ولم تعد تملك الولايات المتحدة ذراعا طويلة لتهديد السلطات الوطنية لأي دولة في أمريكا اللاتينية, وجدت في الأوضاع الداخلية في كولومبيا وسيلة لفرض وجودها من جديد, وبذلك تحصل على قاعدة للقوات المطرودة من بنما, وتتحول مع مرور الزمن إلى قاعدة بديلة. لكن ا لمشكلة أن الرئيس باسترانا كان قد سبق الولايات المتحدة ببدء الحوار مع الجماعات المتمردة في بلاده تنفيذا لبرنامجه الانتخابي الذي تم انتخابه على أساسه, وتمكن خلال العام الأول من توليه الرئاسة بدء حوار حقيقي مع متمردي (جيش القوات الثورية الكولومبية), وفي محاولة من جانبه لإبداء حسن النية في رغبته في سلام حقيقي ينهي حربا أهلية غير معلنة استمرت لأكثر من أربعين عاما, سحب قوات الجيش والبوليس من الأراضي التي يسيطر عليها المتمردون تعادل حوالي 40 في المائة من مجموع مساحة دولة كولومبيا, ودعوته الدائمة لاستمرار هذا الحوار تنفيذا لخطة وضعها الرئيس المنتخب شرعيا. لكن استمرار جماعات دموية أخرى لها أهداف مناهضة لأهداف الرئيس باسترانا, وأقرب إلى أهداف الولايات المتحدة أدت إلى توقف هذا الحوار الوطني عدة مرات, بسبب معارضتها المسلحة لأي لقاء يتم بين الحكومة الشرعية وقيادة المتمردين, بل تمارس تلك الجماعات المعارضة المدعومة من بعض جنرالات الجيش الراغبين في تدخل مباشر من جانب الولايات المتحدة حتى لا يحصل المتمردون على أي تنازلات تضعهم في صورة المنتصر. وبما الولايات المتحدة الأمريكية ترى في تلك المفاوضات إمكانية حل المشكلة الوطنية الكولومبية بعيدا عن وصايتها سارعت إلى الضغط على الحكومة الكولومبية لإيقاف هذه المفاوضات, ووضعت شروطا لأي اتفاق يتم التوصل إليه بين الجانبين, بحيث تعتبر, حسب آراء المراقبين, شروطا تعجيزية لا تهدف سوى إلى نسف تلك المفاوضات التي يمكنها أن تضع الولايات المتحدة خارج إطار الأوضاع الراهنة في منطقة أمريكا اللاتينية. لدعم الجماعات الموالية في كولومبيا لنسف مفاوضات الحكومة مع المتمردين سارع البيت الأبيض إلى وضع خطة مناقضة لخطة الرئيس الكولومبي أطلقوا عليها اسم (الخطة كولومبيا), وبدعم من الكونجرس تمت الموافقة على تقديم منحة مالية قدرها 1200 مليون دولار أمريكي لتنفيذها على الأراضي الكولومبية, لكن الشروط المرافقة لهذا الدعم المالي يجعلها خطة حرب لا خطة لإحلال السلام (!). تتحدث الخطة عن تنفيذ برنامج لدعم اجتماعي للمناطق التي يسيطر عليها المتمردون تم رصد مبلغ 200 مليون دولار فقط لوضعه موضع التنفيذ, بينما تم رصد باقي أموال المساعدة الأمريكية لتنفيذ برنامج عسكري لتدريب القوات التي تقاتل المتمردين وتدمير المناطق التي يسيطرون عليها في الجبال تحت دعوى تدمير أشجار (الكوكا), التي تنتج الكوكايين باعتبارها من أهم مصادر تمويل الثوار, التي يعتبر الأمريكيون من أهم مستهلكيها, أي أن تمويل وتسليح الثوار في كولومبيا يتم بأموال أمريكية (!). بما أن الولايات المتحدة دولة عظمى وكولومبيا دولة صغيرة مارست أمريكا ضغوطا على طريقة (فتوات الحي) حتى يوقف الرئيس الكولومبي محادثاته مع المتمردين فورا, وبدأت الولايات المتحدة من خلال مستشاريها والقوات الكولومبية التي تشرف على تدريبها تنفيذ خطة عسكرية شاملة لتدمير أشجار الكوكا في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. وبما السلطة الوطنية الكولومبية تعرف أنه دون دعم خارجي لا تستطيع أن تنفذ ما يمكن أن تعد به المتمردين لوقف الحرب الأهلية (غير المعلنة) في البلاد, فقد بذلت جهودا كبيرة لإقناع المسئولين الأمريكيين لوقف عمليات التدمير الكيماوي لحقول الكوكا, وبشكل خاص من يملكون زمام العمليات العسكرية في أمريكا تلك العمليات, باعتبارهم الأكثر بحثا عن ثقب للنفاذ منه وتنفيذ خطط أمريكا في المنطقة. خلال محاولات الرئيس باسترانا وحكومته التملص من الخطة الأمريكية, وصل الجدل إلى ما يمكن اعتباره نوعا من (الجدل العبثي), حيث كان الجانب الكولومبي يحاول إقناع الجانب الأمريكي بإمكانية التوصل إلى حلول مناسبة تقنع المتمردين بإلقاء السلاح مقابل تحسين أوضاع المناطق التي يسيطرون عليها, وهي أوضاع متردية اجتماعيا واقتصاديا فعلا, واستمرارها يدعم التمرد ضد الحكومة المركزية, كان الأمريكيون يشترطون أولا إلقاء السلاح وتدمير أشجار الكوكا قبل الموافقة على شروط للمتمردين. خلال هذا الجدل طلب مسئول كولومبي من الجانب الأمريكي أن يمنح حكومة الرئيس باسترانا مئة يوم فقط لتنفيذ ما تعهدت به في خطتها للسلام مع المتمردين, عندها قال المسئول الأمريكي أنه للموافقة على تلك المهلة يجب أن تقدم الحكومة الكولومبية ضمانا بوقف إنتاج الكوكايين خلال تلك المهلة. إلا أن المسئول الكولومبي الذي يعرف أن زراعة الكوكا وإنتاج الكوكايين تعتبر أساسية في حياة فلاحي بلاده, وبشكل خاص في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون قرر أن يدخل في الجدل أمريكي العقيم الذي لا يهدف سوى إلى القضاء على الخطة الكولومبية للسلام لينفذ خطته الأمريكية إلى البحث عن طريقة لفرض سيطرتها على كولومبيا عسكريا, وبذلك تخلق منها قاعدة لقواتها العسكرية لتخويف من تريد من حكومات دول أمريكا اللاتينية المجاورة. ولأن المسئول الكولومبي يعرف أن الجدل الأمريكي في هذه القضية يشبه تماما الجدل حول أولوية الوجود على الأرض بين (البيضة أم الدجاجة), رد على المسئول الأمريكي بأنه بالفعل يوافق على الطلب الأمريكي لوقف إنتاج الكوكايين في كولومبيا لمدة مائة يوم إذا ضمنت له الحكومة الأمريكية وقف استهلاكه في الأسواق الأمريكية خلال تلك الفترة (!). الوقت يمر والجدل حول (بيضة الكوكايين) و(الدجاجة الأمريكية), بينما الشعب الكولومبي يعيش أوضاعا مأساوية, الحرب الأهلية غير المعلنة تتغذى على المزيد من الضحايا, راح ضحيتها خلال هذا العام فقط ما يزيد على ثلاثة آلاف قتيل, منهم 900 كانوا ضحايا عمليات إبادة جماعية ضد الفلاحين, وأكثر من 300 ألف هجروا قراهم خوفا من الجانبين المتصارعين. ودخل الصراع مرحلة جديدة بعد الإعلان عن تنفيذ الخطة الأمريكية في تدمير زراعة الكوكا باعتبارها من أهم مصادر الدخل للمتمردين, الذين قرروا بدورهم مواجهة التدخل الأمريكي بالبحث عن موارد مالية جديدة, وخلق التمويل الجديد صناعة جديدة لا تختلف عن صناعة الكوكايين, وهي صناعة (الخطف) أو (الاختطاف). ضحايا هذه المهنة الجديدة لا يزال من الجانبين أيضا, بينما يمارس المتمردون عمليات الخطف من بين الأثرياء وموظفي الشركات الأجنبية العاملة في المناطق التي يسيطرون عليها, تقوم بعض الجماعات المناهضة للمتمردين والمدعومة من الجيش الكولومبي والمستشارين الأمريكيين بخطف الفلاحين وإجبارهم على دفع إتاوات بهدف منعهم من تأييد المتمردين وعدم تقديم العون لهم. لا يبدو في الأفق حل حقيقي يمكن أن يعيد لكولومبيا الهدوء والسلام الذي ينشده الرئيس باسترانا, الذي يحاول أن يحقق شيئا ملموسا قبل يونيو عام 2002 موعد انتهاء فترته الرئاسية التي لا يمكن أن تتكرر, لأن الرئيس يتولى الرئاسة لفترة واحدة طبقا للدستور الكولومبي, ولكن يحول دون دخوله التاريخ كرئيس حقق السلام في بلاده أن مصالح دولة عظمى تقف في طريقه. كاتب مصري مقيم في إسبانيا