إن الدعوة إلى توسيع أفق المشاركة الاجتماعية للمرأة في الوطن العربي هي تأكيد لوضع المرأة الصاعد في مجتمعاتنا العربية, وتجسيد لحلم تغيير خارطة المشاركة لتشمل كل أبناء المجتمع. وذلك حلم دافعه الوعي العميق بالأدوار ، المتعددة للمرأة العربية عبر تاريخنا المجيد. وهدفه توسيع دوائر المشاركة لهذه المرأة التي لايزال البعض يسعى إلى تقليص أدوارها في المجتمع بوجه عام. وكلنا ننطوي على هذا الحلم, وتعمل الطليعة من الرجال في إشاعة الإيمان بأهمية الأدوار الحيوية التي تقوم بها المرأة في بناء المجتمع وتنميته. وبذلك, فإن الدعوة إلى توسيع أفق مشاركة المرأة العربية المعاصرة هي استجابة طبيعية لما حققته هذه المرأة في الماضي, وما تواصل تحقيقه في الحاضر, وما نرجوه لها من مزيد الاسهام في المستقبل. يدفعنا إلى ذلك أننا نبدأ من حاضرنا بوصفه نقطة انطلاق صوب المستقبل الأفضل, ولا نرضى بما نحن عليه, بل نطلب المزيد الذي يرتقي بأوضاع المرأة وأوضاع المجتمع كله في وقت واحد. وأتصور أن إدراكنا لطبيعة المرحلة التاريخية من التحولات التي تعيشها مجتمعاتنا, يؤكد في وعينا أن هذه المرحلة واحدة من اللحظات الحاسمة في حياة الأمم والشعوب, تلك اللحظات التي تفرض على الطليعة المثقفة أن تستجمع بها تحولات الواقع, وتدفع به صوب آفاق المستقبل الواعد بتحقيق الأحلام والأماني القومية, ومجتمعاتنا العربية تعيش لحظة من هذه اللحظات التاريخية التي يمكن أن تتعدد احتمالاتها, وتتجاوز نقائضها, وتثير فينا روح التحدي التي تدفعنا إلى أن نستبدل بواقع الضرورة ممكنات الحرية, وبشروط التخلف احتمالات التقدم. ولذلك تدعونا هذه اللحظة إلى أن نكون أكثر يقظة ووعيا في معالجة المشكلات المزمنة التي ورثناها عن الماضي, والتصدي للمعضلات التي أنتجتها تعقيدات الحاضر الذي نعيشه, ساعين في ذلك إلى اكتشاف آفاق مستقبل أجيالنا القادمة التي نرجو أن يكون أفضل من حاضرنا. وقضية المرأة هي واحدة من أكثر مشكلات حاضرنا إلحاحا, والدعوة إلى توسيع أفق مشاركتها السياسية والاجتماعية هي دعوة ترتبط باختيارنا الإيجابي لاحتمالات المستقبل الواعد, خصوصا بعد أن حققت المرأة العربية الحديثة إنجازات متميزة, عبر ما يقرب من قرن ونصف قرن, تؤرخ بالأحداث المهمة التي صنعت خطى تقدم المرأة العربية في مواجهة مشكلاتها وإزالة العوائق من طريق صعودها في الوعي الاجتماعي العام. وأحسب أنه من المفيد, ونحن ندعو إلى توسيع أفق المشاركة الاجتماعية للمرأة أن نضم إلى هذا الأفق أهمية زيادة مشاركتها السياسية, وأن نسعى في الوقت نفسه إلى توسيع مفهوم المشاركة السياسية, فلا نحصرها في الارتباط بالعملية الانتخابية الخاصة بالمجالس التشريعية مثلا, وإنما نمتد بها لتشمل مجالات أوسع من ذلك بكثير. إن هذه المشاركة تمتد إلى الحياة العامة والاهتمام بالقضايا الوطنية والقومية. وتعني المشاركة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, كما تتسع لدور المرأة في النقابات, وفي الاتحادات, وفي الجمعيات الأهلية والتعاونيات, وغير ذلك من التجمعات الجماهيرية التي لا يخلو العمل فيها من جوانب النشاط السياسي. وهناك تجارب, عديدة على مستوى العالم حولنا تؤكد أهمية المشاركة السياسية للمرأة بمفهومها الأوسع والأشمل. ومع ذلك على سبيل المثال ما دعت إليه المرأة في ماليزيا من تخفيض ميزانية الانفاق على المنزل, خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة لدول جنوب شرق آسيا,وذلك لكي تساعد في خروج البلاد من أزمتها. وكانت مشاركة المرأة فعالة في تحقيق هذا الهدف القومي. وقد كان للمرأة في أوغندا دورها المؤثر في مقاومة مرض الإيدز الذي ظل يؤثر سلبا على برامج وخطط التنمية في الدولة, وذلك عن طريق الاستجابة إلى حملات التوعية الصحية والاشتراك فيها. وقد نجحت المرأة, في كينيا وبعض دول أمريكا اللاتينية, في قيادة حملة مؤثرة للقضاء على قطع أشجار الغابات. أما المرأة العربية فكانت لها إسهاماتها الرائعة في تاريخنا الحديث, وفي كل مجال من مجالاته, حتى من قبل ثورة 1919 في مصر, وليس انتهاء بدورها في اجتماعات مؤتمر القمة الأولى للمرأة العربية في القاهرة. ولاشك أن وعينا بإمكانات هذه المرأة العربية هو ما يدعونا إلى العمل على توسيع دائرة مشاركتها في المجتمع بوجه عام, ليس من منظور دعم المسار الديمقراطي أو الانفتاح الاجتماعي فحسب, وإنما من منظور العائد الكبير لهذه المشاركة في عملية التنمية البشرية الشاملة. وتثبت المراجعة المتأنية والموضوعية للتقارير الدولية عن التنمية أن مؤشر المشاركة الاجتماعية والسياسية للمرأة لا يختلف عن مؤشر المساواة بين الجنسين, من حيث هما أبرز المؤشرات التي تدل على تقدم الدول والشعوب. إننا نعيش في عالم تزداد سرعة التغير ومعدلات التقدم فيه. ولا يعقل أبدا في هذا العالم أن يظل وجود المرأة هامشيا في الحياة الاجتماعية والسياسية في أغلب الأقطار العربية, إن لم يكن كلها, هذا في الوقت الذي نفاخر فيه غيرنا بتاريخنا المجيد الذي أعلى من شأن المرأة ومكانتها في كل مرحلة من مراحله. ولذلك فمن الضروري أن نخطو خطى واثقة, سريعة, كي نلحق بركب التقدم, ونحلق معه بجناحي الرجل والمرأة في كل نواحي الحياة. ولن يكتمل حلمنا في التقدم باكتمال العمل المشترك بين الرجل والمرأة فحسب, بل لابد من تجسيد معاني التكافل الاجتماعي في هذا العمل. ويعني ذلك ضرورة أن نمد يد العون الدائم والمساعدة المستمرة إلى المرأة التي هي بحاجة إلى المساعدة في كل مكان من الوطن العربي الممتد من المحيط إلى الخليج, فقد ثبت أن قضايا المرأة واحدة في كل مكان عربي, وأن تقدمها أو تخلفها في أي قطر عربي ينعكس على الحركة العامة للتقدم أو التخلف في كل الأقطار العربية. وأتصور, في النهاية, أن عبء توسيع آفاق المشاركة الاجتماعية و السياسية لا ينفصل عن آفاق مشاركتها الثقافية والإبداعية. ولاشك أن توسيع الآفاق الأولى يؤدي إلى توسيع الآفاق الثانية, فلا حرية إبداعية أو ثقافية للمرأة في مجتمع يضيق عليها في آفاق المشاركة الاجتماعية والسياسية, فالحرية الاجتماعية والسياسية هي الأصل في الحرية الثقافية والإبداعية, بل إن ما تصل إليه المرأة في هذا المجال له تأثيره على إنجازات الرجل في الوقت نفسه, وذلك لأن حرية المرأة لا يمكن فصلها عن حرية الرجل, واكتمال حرية المرأة يعني اكتمال حرية الرجل, فكلاهما جناحا الحركة الخلاقة للمجتمعات التي تريد مستقبل التقدم الذي لا حد له.