لا شك أن العالم عاش فصلاً دراماتيكياً على مدار خمسة أسابيع, من الفراغ السياسي الذي انعكس ليس على الولايات المتحدة سيدة القطب الواحد وراعية العولمة, بل على كل العالم بما في ذلك المناطق التي لا تزال تحظى، بالكثير من الصراعات الدامية. لكن لنبدأ بالكلام من أول الطريق, فقد وضع الفراغ الدستوري الصوري في شكله والسياسي في مضمونه, الولايات المتحدة على محك الاختبار, ليس الديمقراطي وحسب, بل وعلى محك قدرة هذه القوة الفريدة في عالم اليوم على محك اختبار قوتها وقدرتها على المستويين الداخلي والخارجي على تقديم المثل والنموذج الذي يحتذى. خاصة إذا ما علمنا بأن الرئيس جورج بوش الابن الذي يشغل منصب الرئاسة ال,43 والذي وصل إلى البيت الأبيض بأكثرية صوت واحد في (الهيئة الانتخابية) وبأكثرية صوت واحد في المحكمة الفيدرالية العليا, وهو الرئيس الأول منذ 124 عاماً, الذي وصل إلى سدة رئاسة الولايات المتحدة ــ بما يحمل للآخر هذا الاسم من معنى ــ, من دون أن يحصل على أغلبية أصوات الناخبين الأمريكيين. وسيعيش بكل تأكيد على مدار الأربع سنوات المقبلة هاجس انقسام مجلس الشيوخ المنقسم بالتساوي بين الفيل والحمار, وسيغيب ولاول مرة نسر الولايات المتحدة من حلبة الصراع الداخلية التي ستحمل جملة الاعياءات الداخلية, وما سيتبعها من تثاقل أو ثقل في تنفيذ القرارات بسبب ذلك الانقسام. هذا اذا تجاهلنا حركة الحقوق المدنية, والذي بدأ الأمريكيون السود يتذكرون بكل أسى, من خلال مظاهرتهم التي قاموا بها في (تالاهاسي) عاصمة ولاية فلوريدا, والذي عبر من خلالها أحد أهم الزعماء التاريخيين لحركة الحقوق المدنية والمرشح السابق لمرتين عن الحزب الديمقراطي للرئاسة, جيسي جاكسون, بخطابه الذي قال فيه: لقد أدليتم بأصواتكم, وأنكروها. بل قالوا إن هذا يحدث منذ زمن طويل. لكنهم هذه المرة انكشفوا. لكن بعيداً عن الانتخابات وعن الثغرات التي ظهرت بالقوانين الانتخابية المرعية في الولايات المتحدة الأمريكية ومراكز القرار التي يتم التحكم بالمجريات السياسية وغيرها من وراء الستارة السوداء بالريموت كنترول, إلا أن شيئاً مهماً غالباً ما يحاول المتخصصون بالشئون الأمريكية إغفاله. وهو يتلخص بما يسمى بالأمن الداخلي الذي يحكم حتى دورة رأسمال على مدار السنة, والأمن الخارجي الذي يشكل الركيزة لديمومة ضخ رأس المال والسيطرة الكلية, اللذين يشكلان باتحادهما الأمن القومي. فالأمن القومي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فوق أي اعتبار كغيرها من بلدان اللجوء والاستيطان, يحكم جل حركتها مع مراعاة شكلانية الأشياء بما في ذلك الديمقراطية, وهذا الأمن القومي محصور في سلالات المهاجرين الأوائل الذين قدموا من بريطانيا, والذين ينتمون في غالبيتهم إلى الكنيسة الإنجيلية التي تعتبر غير اليهود بما في ذلك الطوائف المسيحية الأخرى بالاغيار. وهؤلاء هم الذين يمسكون بمقاليد الأمور, ولذلك عندما بدأت صورة الولايات المتحدة تتداعى بعد هذا الفراغ الرهيب الذي أحدثه جدل الجمهوريين والديمقراطيين, سارعت بعض الأطراف على حسم هذا الجدل والخروج من هذه الأزمة بعيداً عن من سيحكم الولايات المتحدة. ولعله من اللافت للأمر أن المبادرة لانسحاب آل جور المرشح الديمقراطي كانت من خلال بعض الأعضاء البارزين والناشطين في الحزب الديمقراطي نفسه, والذين يمتازون بلا أدنى شك بفعالية عالية جداً وعلى رأسهم رئيس الحزب إدوارد رانديل الذي قال على آل جور (التحرك الآن والتنازل), ثم لحقه بعد ذلك النائب الديمقراطي عن ولاية فلوريدا روبرت ويكسلر, الذي كان من أبرز مؤيدي جور على الإطلاق في الولاية وقدم ذات النصائح الذي قدمها رئيس الحزب. وعلى ما يبدو أن المحكمة العليا هي الأخرى جزء لا يتجزأ من آليات الأمن القومي الأمريكي, وعندما باتت هذه المحكمة تشعر بشكل فعلي من جراء السجال الحاصل بين المرشحين, بالفراغ السياسي الأمني داخلياً وخارجياً, سارعت هي الأخرى باتخاذ قرارها بعيدا عن من له أحقية الرئاسة. وهذا ما عبر عنه بشكل واضح لا لبس فيه, انطلاقاً من مقولة لا شيء يعلوا فوق أمن الولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية, أبرز محامي جور لورانس ترايب, رغم عدم قناعته بقرار المحكمة العليا, لكنه يرى أن المحكمة العليا تحتل مكاناً هاماً في حياة الأمريكيين بالقول (علينا جميعاً أن نلتف حول قراراتها حتى عندما نختلف مع نتائجها). ومن نافلة القول أن ما جرى في الولايات المتحدة على مدار ستة وثلاثين يوماً يؤكد لنا, أن ايزنهاور لا يزال حياً في أفكاره وقيمه ولا تزال هي الدستور المعتمد ومنهج العمل شبه اليومي, فمنذ ذلك التاريخ الذي طرح مقولة ملء الفراغ لا تزال مصرة على ملء هذا الفراغ على المستوى الداخلي والخارجي, فالدوائر صاحبة النفوذ التي حسمت الصراع على الرئاسة, هي ذاتها التي دفعت بالرئيس بيل كلينتون إلى زيارة بريطانيا لاستكمال ما كان قد بدأه جورج ميتشل, من وساطة بين المملكة البريطانية والجيش الجمهوري الايرلندي, ولعل كلينتون جاء إلى بريطانيا ليس بدافع الحرص كله على تنشيط المصالحة التاريخية, بقدر ما جاء إلى الحليف الصنو ليعلن من عاصمته أن أمريكا لا تزال متواجدة في أوروبا كما كانت بل وأقوى قبل الانتخابات, وأن أمريكا حاضرة ولن يثنيها عن دورها مؤتمر نيس الأوروبي الذي يسعى لبناء منظومة دفاعية خاصة بأوروبا وإدخال ما يقارب اثني عشر عضواً في إطار الاتحاد الأوروبي, أو غيره. وقد وضح ذلك أكثر من خلال الحضور المميز لوزيرة الخارجية المهزومة هي أيضاً في الانتخابات كحلفائها, في توقيع معاهدة الصلح بين الخصمين اللدودين إثيوبيا وإريتريا, ولتعيد الأنظار في القارة الأفريقية أن ما يجري في الولايات المتحدة هو مجرد إجراء شكلي لا يتعدى قاعة محاكم فلوريدا وحسب. أضف إلى ذلك توقيت إرسال لجنة تقصي الحقائق في فلسطين, التي أخذت من الولايات المتحدة دعماً متميزاً ليس لتقصي الحقائق, بل لتملأ الفراغ هي الأخرى من خلال زيارة خمس دول في المنطقة, وبدأت تعيد للأذهان الدور السياسي الأمريكي, ومشروع السلام, من خلال طرح بعض المشاريع السياسية, بدلاً من تسجيل الحقائق الدامغة التي لا تحتاج أصلاً إلى تقصي حقائق. وبهذه الجولة الذي قادها عضو الكونجرس الأمريكي السابق جورج ميتشل, تكون الولايات المتحدة انطلاقاً من فهمها الأمني قد ملأت الفراغ بكل ما يلزم وحددت الآليات التي يجب أن يتبعها الرئيس القادم حياداً عن الطابع والانتماء الحزبي له, إزاء جملة الحلول التي يجب اتخاذها, وعلى هذه الأرضية بالذات, جاءت الدعوة الأمريكية لعودة وفود التفاوض الإسرائيلية الفلسطينية إلى استئناف العملية التفاوضية في الولايات المتحدة, حتى قبل إعلان الر ئيس الجديد بوش الابن لطاقمه الذي سيعمل معه على مدار الأربع سنوات المقبلة. وختماً يمكننا القول بأن ما شاهدناه لم يكن مسرحية انتخابية, أو لعبة تبادل أدوار, لكن بالمقابل أن التسريع في الأيام الأخيرة لحل هذه المشكلة أخذت الطابع الأمني, بلا أدنى شك وما قد يحمله من أخطار على الولايات المتحدة ومصالحها, أياً تكن هذه المصالح, ومن هنا يمكنني القول أن الأمن القومي الأمريكي فوق كل اعتبارات الديمقراطية, إذا ما مس هذا الأمن بشيء من الخطورة حياداً عن حجمها ونوعها. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق