(ما يبدو بريئا من مصادر المعلومات المعلنة قد يفيد العدو الصهيوني في الاضرار بنا وبأمننا القومي) كان الصراع الدموي الذي اندلع لهيبه في أواخر التسعينيات بين قبائل الهوتو والتوتسي في رواندا وبوروندي ، بأفريقيا.. بمثابة حقل نموذجي تم على ساحته اختبار مدى التكامل والتفاعل بين مصادر المعلومات السرية (النابعة من جهود الاستخبارات) ومصادر المعلومات العلنية (المستقاة من المادة المنشورة أو المذاعة بالصوت وبالصورة على جماهير المتلقين). كان الدرس المستفاد ذا شقين في هذا المضمار: أولا سيظل العالم بحاجة الى وكالات المخابرات والى بيانات المجموعة بواسطة العمل السري على يد عناصر مهنية هي بغير مواربة الجواسيس. ثانيا: أن معلومات الجواسيس ليست بكافية لفرض الاحاطة الشاملة بالأوضاع والمواقف المعقدة المتشابكة التي تتسم بها الظاهرة والسلوكيات الانسانية.. بل لابد من تكميلها وملأ ثغراتها بواسطة معلومات المصادر العلنية, حيث لا تقتصر هذه المصادر على الميديا والمطبوعات والمواد المنشورة وحسب بل تشمل أيضا ما قد يتفوه به الناس عن غير قصد في معظم الأحيان وخاصة في الحفلات والمناسبات العامة.. ناهيك بطبيعة الحال ما قد يثرثرون به في الصالونات بين اقداح الشراب أو من باب المباهاة الجوفاء أمام الحاضرين.. وبالذات الحاضرات ثم ما قد يسمعه الخدم والأتباع والسائقون والسكرتيرون والأطباء الخصوصيون من أخبار وإفادات ومعلومات ومنهم من يمكن استدراجه للإفضاء بما سمع ومنهم من يصار الى تجنيده لمجرد تفريغ هذا الذي سمع وهو أو هي يتقاضى المقابل نقدا أو عينا ولا ضرر عليه أو عليها اذا أدار الاسطوانة وأفضى بما اجتمع لديه من تفاصيل. تكامل المعلومات صحيح أن المعلومات قد تكون بسيطة بل قد تكون تافهة, أو هكذا تبدو, أو قد تكون جزئية وربما جاءت على شكل أرباع جمل أو على صورة أشتات متناثرة من سقط الحديث.. لكن هذه المعلومات بل هذه الشذرات لا تلبث أن توضع في أنساق أكبر وأوسع وأشمل, ويتم تكميلها بغيرها من أشتات البيانات السرية أو العلنية, مما قد يقضي في معظم الأحيان الى رسم صورة متكاملة أو شبه متكاملة للموقف الهدف أو للوضع المنشود. والذي حدث بالنسبة لنموذج الصراع الدموي الافريقي الذي طرحناه, هو أن أمريكا كانت بحاجة الى رسم صورة ما آل اليه هذا الصراع من جوانبه القتالية والعرقية الإثنية الشعوبية القبلية, فضلا عن مواقف واتجاهات الدول المجاورة لرواندا وبوروندي وأوضاع السلطات والقوى السياسية والمقاليد الاقتصادية المتورطة في إطار, بل في أتون هذا الصراع, هنالك بدأت العملية بأن حشدت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مستودع معلوماتها وأفادت تقديراتها للموقف قبيل اندلاع الأزمة بأن ثمة استقطابا حادا منذرا بخطر الانفجار كان يتشكل داخل رواندا وبين جماعتي الهوتو والتوتسي لأسباب تاريخية واقتصادية بالدرجة الأولى. في هذا المضمار قدمت الـ (سي.آي. ايه) ما يلي باختصار شديد: بيانات شاملة عن أنماط التعصب العرقي بين سكان المنطقة. خرائط ملونة لتوزيعات السكان والاتجاهات القبلية ومحاور الصدام المتوقع. حقائق وبيانات احصائية عن جهود بوروندي في الحصول على الأسلحة من السوق الدولية (وقد سارعت الادارة الأمريكية وقتها الى وقف شحنات هذه الأسلحة). دور المصادر العلنية مع ذلك, وفي مجال هذه الأسلحة بالذات, لم يكن باستطاعة المخابرات الأمريكية أن تقدم معلومات دقيقة ولا مفصلة عن نوعيات الأسلحة ولا عن خصائصها.. وهنا دخلت الى المضمار معلومات معلنة أو فلنقل جاءت من مصادر علنية عاملة في سوق المعلومات المقترنة بالحاسوب حيث أمكن الحصول على خصائص الأسلحة وامكاناتها من واقع مجموعة جين المتخصصة في المعلومات الحاسوبية كما نسميها وكان ما قدمته كما يؤكد الخبراء أكثر غنى وأوسع تفصيلا عن معلومات المخابرات المركزية التي عادت لتواصل من جديد دورة التكامل الذي أشرنا اليه في مستهل هذا المبحث بين السري والعلني في دنيا المعلومات. لقد استطاعت المخابرات المركزية أن توافي السياسي صانع القرار في الخارجية الأمريكية وفي البيت الأبيض بتقديرات موقف وتحليلات أعمق وأدق عن تطور المأساة البشرية في تلك المنطقة المنكوبة بالحرب والجوع والصراع والجفاف والتخلف في قارة افريقيا.. بما يشمله ذلك من رسم اتجاهات قادة المنطقة ومواقف زعاماتها.. وبالطبع شمل الأمر إنذارا يحدد الموعد الذي يتوجب فيه على أمريكا وحلفائها الأوروبيين اجلاء رعاياهم من المنطقة قبيل اندلاع الأعمال القتالية. في هذا الخصوص, يعلق البروفيسور لوك جونسون استاذ العلوم السياسية, بجامعة جورجيا الأمريكية وقد أحلنا اليه كثيرا في هذا الخصوص يقول: هكذا استطاعت المصادر السرية ومعها المصادر العلنية أن تتكامل في كشف جزء من معضلة أو متاهة رواندا بوروندي وعندما وضعت جزئياتها جنبا الى جنب (كما يفعلون في اللعبة المشهورة) أصبحت الصورة أكثر وضوحا. على أن هذا التكامل بين (السري) و(العلني) في دنيا المعلومات يتجلى أكثر في احتياجات زماننا الراهن التي تتسم بالتشابك والتعقيد. المصادر السرية الجاسوسية هي التي تستطيع بوسائلها التحتية وعملائها المجندين والمحترفين وأجهزتها السوبر متقدمة في مجال التصنت والتصوير والوصول الى معلومات يمكن أن تكون استراتيجية أو حيوية من قبيل: مواقع المنشآت والأنشطة العسكرية التي يحرص (الهدف) على اخفائها أو أماكن مرابطة القوات وحجمها.. اضافة الى أنشطة الجماعات الارهابية وتدابير ومؤامرات جماعات الجريمة الدولية العابرة للحدود وخاصة مهربي السلاح وتجار المخدرات.. فضلا عن النفاذ سرا الى أنشطة كبار الشخصيات السياسية والاقتصادية المؤثرة في المجتمعات ورصد تحركاتها ومحاولة استباق نواياها واستشراف خططها التي تخلف تأثيراتها على قرارات السياسة وحركة أسواق الأوراق المالية على مستوى العالم. لا تستطيع المصادر العلنية أن تفيد كثيرا في مثل هذه الأمور. لكنها تستطيع بامتياز في بعض الأحيان أن تفيد في تغيير اتجاهات السياسة على المدى الطويل بما ينعكس ايجابيا في ترشيد عمليات تقدير الموقف واتخاذ أهبة الاستعداد تحسبا لما قد يستجد على الساحة من قرارات أو مواقف أو اتجاهات. الصحافة والجاسوسية إن الصحف الكبرى في العالم درجت على فتح مكاتب لمراسليها في العواصم الكبرى أو ذات الأهمية الخاصة. وبين هؤلاء المراسلين المندوبين.. صحفيون مقتدرون ومخضرمون من يكون قد أمضى في مكتب العاصمة الأجنبية سنوات طويلة.. واستطاع بالطبع أن يتكلم لغتها ويقيم شبكة علاقات دينامية مع فعالياتها السياسية والفنية والثقافية والاقتصادية, مما يتيح له بحكم هذه الخبرة الطويلة المستقرة أن يكون في موقف يمكنه من الحكم السليم على الأحداث ومن التنبؤ السليم بمساراتها وبما قد تؤول اليه من أوضاع. أين هذه الميزة الصحفية؟ من نظيره مندوب المخابرات الذي يتولى ادارة محطة استخبارات في البلد الأجنبي في الباطن وقد يصطنعون له غطاء علنيا على شكل موقع دبلوماسي كملحق في السفارة أو موقع اعلامي كموظف في وكالة الأنباء أو موقع اقتصادي في شركة أو مشروع. وأيا كان الموقع تظل حركته أكثر تقييدا من حركة المندوب الصحفي الأصيل فضلا عن أنه يخضع لبيروقراطية جهاز المخابرات الذي يتبعه.. وهو معرض بالتالي للنقل الى محطة أخرى أو للاستدعاء الى الوكالة الأم بما يحرمه طبعا من ميزة الاستمرار وتراكم الخبرة وثراء التجربة وتأصيل وتعميق العلاقات. هنا يستطيع الصحفي المخضرم الماهر المقتدر أن يوفر لنفسه ولقلمه حصيلة جمة الفائدة في تحليل المواقف والتنبؤ بحصائر الأحداث ويلفت النظر أن البروفيسور لوك جونسون يقف بنا عند دول بعينها يراها ماهرة في حكاية (استزراع) أو (استنبات) المصادر العلنية حسب تعبيره الحرفي بما يفيدها طبعا في مجال المعلومات.. ومن هذه الدول كما يوضح الأستاذ الأمريكي اليابان والصين وسنغافورة وهولندا وتايوان.. ثم.. اسرائيل (وهنا يتوجب علينا أن نفتح العيون جيدا في الوطن العربي ــ فيما يبدو بريئا من مصادر المعلومات المعلنة ــ قد يفيد العدو الصهيوني في الاضرار بنا وبأمننا القومي في نهاية المطاف). وبقدر ما أن المعلومات العلنية بغزارة مصادرها وربما سهولة ورخص استقائها لم تفض على الاطلاق الى الغاء أو ازاحة المعلومات السرية المستقاة عن طريق المخابرات, بقدر ما أن التقدم التكنولوجي في دنيا التجسس والعمل السري: أقمار تجسس تدور في فلك السماء, أجهزة ليزر يتم اطلاقها الى القاعة الهدف أو الحجرة الهدف فتأتيك بكل ما يدور فيها من حوار, وهو نوع من الريموت جاسوسية, أو التجسس عن بعد كما قد نسميه, برغم هذا التقدم في الآلات والماكينات والأجهزة التي بلغت شأوا بعيدا.. وأحيانا مثيرا من الكفاءة.. فلا يزال الأمر بحاجة الى العنصر البشري.. الى الانسان الجاسوس. وفي هذا السياق يفصح عالم السياسة الأمريكي قائلا: عفوا.. لا تقل وداعا بعد للسيد جيمس بوند لماذا؟.. لأن الجواسيس البشر.. بكل ما استخدموه من وسائل تقليدية وما اتبعوه من سلوكيات متعارف عليها في دنيا العمل السري.. لا يزالون في غاية الأهمية.. وربما في غاية الفعالية في دنيا الحصول على المعلومات.. أهم وأخطر المعلومات. أخطر جاسوس سوفييتي ألا ترى أن جاسوسا روسيا سوبر خطيرا هو الكولونيل (أوليج بنكوفسكي) ولا يزال الأمريكان يعدونه أفضل جاسوس سوفييتي عمل لصالح الغرب خلال حقبة الحرب الباردة.. كيف لا.. وقد كان الكولونيل المذكور يشغل موقعا حيويا ومنصبا مركزيا في سلك الاستخبارات العسكرية السوفييتية ومن ثم انفتحت أمامه كل أسرار الكرملين في مجالات التسليح على وجه الخصوص مما جعل تجنيده لحساب واشنطن وبالطبع خيانته لموسكو واذاعته أسرارها ضربة معلم كما يقولون في تاريخ الجاسوسية الحديثة. لقد زود الجاسوس السوفييتي العميل أمريكا بكنز من المعلومات الخطيرة ليس أقلها ما تلقته منه المخابرات المركزية الأمريكية من معلومات مفصلة عن سياسات الكرملين العسكرية وعن برامج الأسلحة السوفييتية المتطورة باهظة التكاليف وقد كانت واشنطن تحسب لها ألف حساب وشملت المعلومات رسومات دقيقة لمواقع الصواريخ المنصوبة على الأرض الروسية ورغم أن هذه الأحداث التجسسية وقعت خلال حقبة الحرب الباردة, منذ أكثر من أربعة عقود, وقد تطورت خلالها أجهزة التجسس التكنولوجية إلا أن الأمر ما زال كما أسلفنا بحاجة الى العنصر البشري في عمليات الجاسوسية.. وقد يرجع ذلك الى أمرين أساسيين: الأول: أن الانفاق على العميل البشر أقل بكثير من الاستثمارات الموظفة في تطوير واستخدام وتحديث أجهزة التجسس التكنولوجي (تبلغ النسبة واحدا الى سبعة من حيث الانفاق). الثاني: أن أجهزة التجسس التكنولوجية, بكل كفاءتها وفاعليتها.. تنطبق على قدراتها قوانين (حدود القوة) بمعنى أنها مثلا لا تستطيع الدخول الى الدوائر الحميمة لدى الحكومات الأجنبية لا تستطيع النفاذ الى جلسة أصدقاء متنفذين.. الى مأدبة غداء بين صانعي السياسة الى أحاديث عقيلات المسئولين وقد ترشح منها أخبار ومعلومات لها صفة الحيوية والخطورة.. ولا الى دوائر صنع القرار في قصر رئاسي أو وزارة خارجية أو مصرف مركزي.. وهكذا الذي يمكنه أن يقول ذلك وبكفاءة أعلى, وبتكاليف أقل هو العنصر البشري. وهناك 3 أمثلة محدثة تدل على استمرار الحاجة الى الاخودة جيمس بوند وأنداده الى العنصر البشري في عملية جمع المعلومات وجهود الاستخبارات. المثل الأول: مستقى من عملية انقاذ أو محاولة انقاذ الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران خلال أحداث ثورتها الكبرى. بديهي أن العملية فشلت لأسباب تشغيلية أو تنفيذية.. ولكن مخططيها كانوا على ثقة معقولة من امكانات نجاحها.. لماذا؟ لأنهم كان لديهم ثلة من العملاء الجواسيس العاملين فوق الأرض.. ومن خلال المعلومات التي أفادوا بها.. استطاعت المخابرات الأمريكية أن تعين المكان الذي يتواجد فيه كل رهينة أمريكية على وجه التحديد داخل مبنى السفارة.. وعندما انطلقت طائرات الرئيس كارتر المروحية للتنفيذ في صحراء طالوت.. كانوا يتصورون عودتها بالرهائن ولكن شاءت السماء عكس ذلك تماما. المثل الثاني: سجل فشلا أمريكيا آخر في الصومال هذه المرة.. كانت واشنطن قد بعثت بطائرات هليوكبتر هجومية متطورة للغاية من طراز (بلاك هوك) ولكنها أدركت أن لا جدوى منها إذ لم يكن لديها عملاء في مقديشيو يحددون لها المواقع الاستراتيجية المطلوب قصفها واخضاعها وسط شبكة الشوارع المتعرجة والحواري المتربة والأزقة المسدودة في عاصمة الصومال. المثل الثالث: ويشكل نجاحا نسبيا هذه المرة وهو مستقى من تجربة الأمم المتحدة خلال تدخلها الراهن في الصراع الدموي الدائر في سيراليون بغرب افريقيا.. أخطر الأطراف التي ما زالت تجدد اشتعال هذا الصراع وتؤخر وتعوق التوصل الى تسوية سليمة لصالح شعب ذلك البلد الافريقي المنكوب, هو الجبهة الوطنية المتحدة وهي حزب المعارضة الرئيسي في البلاد بزعامة (فوداي سنكوح) الذي ظل يتخذ موقعا متصلبا من التسوية, وجعل المنظمة الدولية وقوات حفظ السلام التابعة لها محل الهزؤ والسخرية حين دأب على اعتقال جنودها وضباطها المنتمين الى جنسيات شتى وقد قدمتهم دولهم تعزيزا لقضية انهاء الصراع واقرار السلام في سيراليون في الصيف الماضي أحرزت قوات الأمم المتحدة من ذوي الخوذات الزرق كما يسمونهم هدفا حين استطاعت القبض على (فوادي سنكوح) شخصيا.. ويرجع الفضل في ذلك الى اخبارية أفاد بها بسرعة وسرية أحد العملاء من أهل البلد ووصلت لحظتها الى أسماع الأطراف الأمريكية ضمن القوات الدولية لحفز السلام. مثل هذه النماذج وغيرها كثير.. يظل آية على أن الصراع والتنافس ما زال متواصلا بين الآلة والانسان.. ونحسب أنه سيظل على هذا النحو, حتى في دنيا المعلومات وفي عالم الجواسيس المفعم بالأسرار والأخطار. كاتب سياسي من مصر