لم يكتب الله لدبي ان تكون منبعا للنفط, ولم يكتب لها ان تكون خاضعة تحت تأثيرات اسواقه والاحداث التي تعصف بأسعاره تارة نحو العلو وتارة نحو الحضيض, لكن منّ الله على دبي هذه الامارة التي التفت ، حول ممر مائي صغير في حجمه كبير في اهمية موقعه الاستراتيجي بفكر رجال ارادوها ان تكون مهدا لأحلامهم العظام, فكان الاقتصاد وكانت التجارة هما حصانا تلك الاحلام وذلك البعد في النظر الذي صاغته حكمة حكيمها العصامي المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي وضع اساس مدرسته على ضفاف الممر الصغير فحول دبي الى واحة لكل من تراوده الاحلام. ومنذ فجر تاريخ دبي كانت عقول الرجال وفطنتهم هي ثروة دبي, والفكرة النيرة في رحابها تتجاوز في قيمتها مئات الاف من براميل النفط, هكذا ارتكزت هذه الامارة على مفهوم واحد هو ان الحقيقة تقول ان الرجال هم الذين يصنعون التاريخ, وان الافكار الثمينة تغدق الرخاء وتولد مثيلاتها. الرجال القدماء والمخضرمون الذين عاصروا مؤسس مدرسة الافكار الثمينة تعلموا دروسا عملية من صاحبها الذي لا ينام ولا يهدأ, صاحبها الذي يغمض عيناً على فكرة ويفتح الاخرى في الصباح الباكر ليضع اساسها على الارض, من هذه المدرسة تخرج جيل رجال الاعمال والتجار, تشربوا روح العمل, وروح فكر قائدهم, فزرع هذا الجيل اشجار افكارهم التي نمت حولها دوحة دبي وصارت صيتا جاذبا للأفكار من كل حدب وصوب. واليوم يأتي جيل الشباب, الجيل الذي استلهم فلسفة المدرسة الاولى واقعا وعملا وتشرب اهدافها لتصبح الاحلام الجديدة اغصانا ترفعها عاليا تلك الدعائم الاولى, يأتي الجيل الجديد وسط متغيرات حديثة, ومفهوم حديث لتنفيذ الافكار, واسلوب مدجج بتقنية العصر, تغيرت نمطية الاداء واصبح لزاما ان يتغير معها اسلوب الادارة, وان يتغير مع الاسلوب سرعة اختبار الافكار وانجازها, الاهداف هي والتوجهات نفسها, لكن الايقاع تغير وهذا هو صميم ما يعتبره البعض اختلافا في الاداء بين جيل الاباء وجيل الشباب من اصحاب الافكار الثمينة. في لقاءات حوار الاجيال حول مستقبل دبي الذي تفتح ملفه (البيان) هذه الايام وفجرت جدالا بين الجيلين, بين منحازين لهذا الطرف وذاك, وبين مناصرين للاسلوب القديم ومناصرين للاسلوب الجديد في التعامل مع افكار مستقبل دبي, في هذا الجدل الجميل والصحي والمثمر ايضا للأفكار الثمينة ليس هناك اختلاف على اهداف المدرسة الاصل, وليس هناك اختلاف ضرورة توالد الاحلام وتحققها, لكن هناك اختلافا على اسلوب الاداء, وهناك توجسات وقلق, وفي الامرين صحة, وفي الامرين ايضا حرص, وكل ما يهم في الامر ألا تتوقف الاحلام عن انجاز صباحاتها الجميلة, وألا يتوقف الحوار والجدل المثمر, الاثنان من اساسيات ادارة عجلة العمل في الفكر الحديث, فلا شيء ينطلق من دون قاعدة, ولا قاعدة قادرة على النهوض بالاحلام بدون مغامرين يجيدون فن التحليق في المستحيل. halyan@albayan.co.ae