بدأ رمضان يعد عدة الرحيل ويتهيأ للاستئذان , وبرحيله تنقضي النفحات الإيمانية العطرة ومظاهر التمسك بالعبادة وأخلاقيات الشهر الفضيل , وتنتهي مظاهر الألفة والتزاور والتقارب التي قد يلمس العيد جانبا منها بعد أن كرسها رمضان سمة من سماته وأدرجها على قائمة طاعاته. وبرحيل رمضان تنتهي علاقة المشاهد العربي مع فضائياته إلا لوقفات نشرة الأخبار أو تمضية الوقت , إذ تحتجب الأعمال الهادفة وتعلن الشاشة العربية حالة الإفلاس التي اعتادت عليها حتى يحول عليها الحول في مثل هذه الأيام المباركة. وبصرف النظر عن كمية وعدد البرامج التي تشحن بها الفضائيات طوال العام , يفتقد المشاهد في البلاد العربية إلى فضائية تقدر مشاعره , وتحترم عقليته , وتحاكي همومه , وتطرح قضاياه , وتقدم له جرعة معرفة في مختلف مجالات الحياة المعاصرة. ولعل الدور المنوط بالفضائيات العربية أكبر مما يجري ممارسته على أرض الواقع بكثير , وإن كنا قد استبشرنا مع انطلاقة البث الفضائي بأننا قد أصبحنا نمتلك أكثر الوسائل الإعلامية تأثيرا على الرأي العام العالمي , فقد أدركنا الآن خيبة الأمل في تقديرنا الخاطئ, ومدى إفراطنا في التفاؤل وإن هذه الفضائيات مجتمعة لم ترخص يوما لتحقيق الغاية التي تتطلع الشعوب العربية إلى تحقيقها بقدر ما جعلت من نفسها وامكانياتها معاول هدم لأخلاقيات وسلوكيات جيل الشباب , وأداة طيعة في يد الغرب لتحقيق أطماعهم , وطمس الهوية العربية وتمرير المبادئ الهدامة , فإن استحقت فضائياتنا وسام تقدير , فتتويجها على مستوى الخطورة الذي تشكله على المشاهد العربي, والذي فاق في حقيقته وبمستوى جميع المعايير خطورة الفضائيات الأجنبية عليه. ومما لا شك فيه أن الأسلوب الذي تتعامل به الفضائيات مع جمهورها في الوطن العربي العريض قد أفقدها الكثير من ثقة مشاهديها بها والتزامهم تجاهها, فغدت برامجها متخبطة وساعات بثها خاوية لا تنتمي إلى عروبة أو دين. وختاما إذ نقر استمتاعنا بوجبة الأعمال الدرامية والبرامج المسلية التي حفلت بها بعض الفضائيات على امتداد الشهر الفضيل , فإننا نتمنى أن يتواصل الجهد على هذا المنوال وبهذا المستوى على مدار العام إن كان هو أفضل ما يمكن تقديمه , فكما أن المشاهد العربي يتابع الشاشة في رمضان فإنه يتوق إلى متابعتها في غير رمضان شريطة أن تطرح شخصيته وتتبنى قضيته وتروج للوفاق الوطني ووحدة الصف العربي. خالد درويش