في عام 1900 وقبل عامين من وفاته صدرت للمرحوم عبدالرحمن الكواكبي رائعته السياسية الاجتماعية الرائدة: طبائع الاستبداد. ذلك الكتاب المنارة الذي اندثر اثره ولوحق كاتبه ولم يشكل مدرسة تحرير، كما حلم صاحبه وكما عزم متمثلا بجماعة التنوير الفرنسية التي احدثت الثورة الفرنسية عام 1789 حين اجتمعت افكار وأقلام مجموعة من الفلاسفة رواد الحرية وحقوق الانسان امثال فولتير وجون جاك روسو ومنتسكيو ليزعزعوا ايوان الطغاة وتنبثق عنهم وثيقة اعلان حقوق الانسان التي كانت الاساس بلا منازع للنهضة الاوروبية في جميع المجالات. كان الكواكبي يكتب: (انه ما من مستبد سياسي الا ويتخذ لنفسه صفة قدسية كفرعون الذي وضع نفسه في مرتبة الألوهية. وقد غمرت ظلمات الاستعمار ثم ظلمات الاستبداد ذلك الضوء الفكري الذي اوقده عبدالرحمن الكواكبي. ونعيش هذه الايام ذكراه المئوية ونحن لم نبرح مكاننا العربي المدلهم الظلمات. بعد قرن نجد ان هزائمنا المتعاقبة والمتراكمة جاءت نتيجة الاستبداد وانعدام الحريات وغياب المؤسسات. وكان لنا في كل مرة ان نختار بين الحرية والاضطهاد او بين العبودية والستر. وكان كل مرة يصل فيها زعيم الى سدة الحكم يعدنا بتحرير فلسطين وتبديل الجور عدلا. قديما قال ارسطو ان الشعوب المستعبدة لا تحرر اوطانا. وقد دخلنا حروبنا ضد اسرائيل مع شعوب شهدت المرحوم سيد قطب معلقا في حبل مشنقة. وجاء هذا الزمن واستبشرنا خيرا وقلنا لقد استخلصنا بعض الدروس فأقفل الرئيس بشار سجنا واطلق سجناء وكذلك فعل الملك محمد السادس واعلن هنا وهناك عن اجراءات تحرير. وقلنا ان طريق تحرير فلسطين هو تحرير العرب... فهل نطمع في ان يكون عام 2001 بعد قرن من كتاب طبائع الاستبداد عاما للعفو التشريعي العربي من المحيط الى الخليج.. عاما بدون اي سجين سياسي.. عاما يتداول فيه المواطنون على المتاح من مقاعد السلطة والمسئولية بدون عنف وعنف مضاد وبدون مكر وبدون حقد. لقد رأينا في مسلسل الانتخابات الامريكية كيف تصبح ورقة الاقتراع اقدس وثيقة بعد الدستور هناك. ومهما كان تلاعب اللوبيات وقوى التأثير على نتائج تلك الانتخابات فهي درس بليغ على تداول المسئوليات وقوة ورقة صغيرة يضعها المواطن بحرية في الصندوق. ان الديمقراطية كما قال ادوار سعيد في آخر حديث له لقناة (الجزيرة) ليست بالنسبة للعرب منهج حكم فحسب بل هي طريق التحرير. تحرير النفوس من الجهل والاقتصاد من التبعية والارض الفلسطينية من الاحتلال. وأخيرا تكلم حكيم عربي فذ هو محمد حسنين هيكل حين قرأ الوثائق الاسرائيلية في مجلة وجهات نظر عدد ديسمبر 2000 فاكتشفنا معه بأن العدو الصهيوني كان دائما يراهن على انعدام الديمقراطية لدى العرب.. في كل مخططاته وفي كل اعتداءاته وفي كل مؤامراته ولا يزال. ان القضية اليوم لم تعد: نكون متخلفين بدون حريات او نكون متقدمين بها. فالقضية اليوم اخطر لأنها اصبحت: نكون او لا نكون.