أثار دهشتي, مع اعجابي, أحد رموز المعارضة العراقية في الخارج عندما كان يتحدث في مناظرة تلفزيونية. فقد حمل حملة مشددة على الولايات المتحدة ورؤيتها لدور المعارضة العراقية الخارجية. ان مشكلة غالبية فصائل المعارضة العراقية في الخارج المنضوية تحت التنظيم المظلي الذي يطلق عليه (المؤتمر الوطني العراقي) الذي يمارس نشاطه من مقاره في لندن ونيويورك هي انها لا ترى الامور الا بمنظار الاجندة الامريكية تجاه الشرق الاوسط لدرجة ان قادة هذه الفصائل يطالبون نهارا جهارا بعدم فك حصار العقوبات المفروضة على العراق. ولهذا فإنها لن تلقى تجاوبا من الشعوب العربية بما في ذلك الشعب العراقي. ان من حق اي عراقي ان يتخذ موقفا معارضا للنظام الحالي في العراق اذا تراءى له ذلك لكن الاستعانة بقوة اجنبية ذات اجندة مصلحية لا تنطوي الا على نوايا شريرة تجاه العراق كشعب وكيان ورقم مهم في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي لا يمكن ان تعتبر معارضة شريفة. وإذا فتشنا في القاموس لن نجد نعتا ادق من عبارة (عمالة) وربما ايضا عبارة (خيانة). ان قادة (المؤتمر الوطني العراقي) لا يتحدثون الا بمفردات اللغة السياسية الامريكية ومن احدث التصريحات في هذا السياق ما ورد على لسان الشريف علي بن الحسين, أحد ابرز قادة التنظيم المظلي في مؤتمر صحفي عقده في لندن. كان يتحدث وكأنه الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الامريكية. لقد قال ان معاناة الشعب العراقي (سببها المباشر الضغوطات التي يمارسها النظام). وقال ان العقوبات الدولية (ليست مسئولة عن المشاكل الاقتصادية في العراق).. ومن هنا خرج باستخلاص قائلا: (لا نعتقد ان رفع العقوبات هو الحل الافضل لوقف عذاب الشعب العراقي). هذه بالضبط هي المفردات اللغوية التي تتكرر من حين لآخر على ألسنة المسئولين الامريكيين على مختلف المستويات لتبرير استمرار الحصار المفروض على العراق الى الأبد. وما كادت اصداء هذه التصريحات تتلاشى حتى تحدث نفس هذا الزعيم العراقي المعارض في مقابلة مع صحيفة عربية لندنية اعلن فيها ان (المؤتمر الوطني العراقي) ينوي التعاون (بشكل وثيق) مع الادارة الامريكية الجديدة للرئيس المنتخب جورج بوش الابن للاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين. واذا كانت مثل هذه التصريحات تثير اشمئزازا فإنها لا يجب ان تثير استغرابا فالتنظيم المظلي العراقي المعارض ولد اصلا في احضان امريكية بموجب قانون صادر عن الكونجرس الامريكي باسم (قانون تحرير العراق). يتضمن دعما ماليا أوليا من الادارة الامريكية بقيمة 97 مليون دولار. والى جانب الاطاحة بنظام الرئيس صدام فإن الهدف المعلن للمؤتمر الوطني العراقي هو اقامة نظام ديمقراطي تعدد في العراق. لكن هذا قد لا يكون بالضرورة هدف الولايات المتحدة ايضا. ان الهدف الاستراتيجي الامريكي غير المعلن بشأن مستقبل العراق كدولة عربية كبيرة ينطلق من ضرورة تعطيل الدور العراقي الاقليمي في الشرق الاوسط انطلاقا من اعتبارات امن الدولة الاسرائيلية. ولأ هذا التصور اللاعربي سيكون مرفوضا بشراسة من قبل الشعب العراقي فإن الأرجح ان الديمقراطية التعددية هي آخر ما ترجوه واشنطن لعراق المستقبل. ان ما يلائمها اكثر هو اقامة دكتاتورية عسكرية يكون طاقم الحكم فيها شرذمة موالية تماما للولايات المتحدة وغاياتها الاستراتيجية في الشرق الاوسط. وفي هذه الاثناء سوف تواصل واشنطن استغلالها للمعارضة الخارجية وتنظيمها كأداة مرحلية طوع البنان الامريكي.