يبدو الطريق الممتد من مسجد السيدة نفيسة وحتى مسجد أحمد بن طولون كأنه بقيع مصرى, على مسافات متقاربة تقوم مراقد آل البيت الذين وفدوا إلى مصر ودخلوها وأقاموا بها ورقدوا فى ثراها. ما إن نفرغ من زيارة المشهد النفيسى حتى نتجه عبر شارع الأشرف الى مشهد السيدة سكينة ابنة الحسين عليه السلام. نمضى عبر الشارع حيث تكون القلعة على يميننا, باتجاه سبيل أم عباس, هذا السبيل عثمانى الطراز والذى صار من معالم المنطقة, ونقطة هامة, بارزة فى المكان, انشأته السيدة (بنبه قارن) أم عباس باشا سنة (1284هـ ــ 1867م), وكان انشاء الأسبلة من أجل أعمال الخير التى يقدم عليها الأثرياء والحكام, فلم تكن هناك شبكة منظمة لتوزيع المياه كما هو الحال الآن. بل كانت القاهرة تتلقى الماء عبر أكثر من ثلاثة آلاف سبيل. لم يتبق منها الآن الا مائة و ستة وستين, كلها فى عداد الآثار بعد أن فقدت وظيفتها الأساسية, تقديم الماء الى المارة وتزويد البيوت والمعامل والمتاجر والمقاهى بحاجتها منه, وكان السبيل يقترن دائما بتعليم القرآن الكريم, الطابق السفلى لتقديم المياه والعلوى يحتوى على مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم. هذا مانجده فى جميع أسبلة القاهرة القديمة كترجمة عملية, معمارية, انسانية للآية القرآنية (وجعلنا من الماء كل شئ حي..). قبل أن نصل الى سبيل أم عباس, وعلى بعد أمتار من مرقد السيدة نفيسة سنرى مسجدا, عتيقا, جميلا, قبته ذات رونق فريد, تمنحنا الاحساس انها تلامس السحب, جميلة التكوين. تماما مثل صاحبتها التى تنسب اليها, السيدة سكينة ابنة سيدنا الحسين عليه السلام. والتى اشتهرت بجمالها, وحسنها, وأناقتها. حتى انها صففت شعرها بطريقة خاصة, عرفت بالطرة المسكينة, أنتشرت بين النساء والرجال أيضا. اسمها, أو لقبها بالتحديد يمنح مسجدها ومرقدها حالة من الصفاء والهدوء سرعان ماتشمل الداخل اليه وتتسرب الى أعماقه, نعرفها سكينة, انه لقب أطلق عليها, لقب فيه تعظيم رغم انه تصغير, اسمها الحقيقي آمنة. أو أمينة. سماها أبوها باسم والدة النبي. آمنة بنت وهب, أما سكينة فلقب أطلق عليها لهدوئها وطول تأملها واشعاعها الجميل, وهو من السكن والسكون والسكينة والهدوء, هذه معان تتجسد كلها داخل مسجدها الذى يحتوى على مرقدها المصرى. يقول عنها ابن فلكان فى موسوعته الشهيرة (وفيات الأعيان). (السيدة سكينة بنت الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم كانت سيدة نساء عصرها, ومن أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن أخلاقا) تزوجها مصعب بن الزبير وهلك عنها. ثم تزوجها عبدالله بن عثمان بن عبدالله بن حكيم بن حزام فولدت له قريبا. ثم تزوجها الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان وفارقها قبل الدخول, ثم تزوجها زيد بن عمر بن عثمان بن عفان فأمره سليمان بن عبدالملك بطلاقها ففعل. وكانت وفاتها يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول سنة سبع عشرة ومائة, وقيل: اسمها آمنة, وقيل: أمينة, وقيل: أميمة, وسكينة لقب لقبتها به أمها الرباب ابنة امرئ القيس بن عدى. إذن.. كيف جاءت الى مصر؟ نجد الاجابة فى كتاب (تحفة الأحباب وبغية الطلاب فى الخطط والمزارات, والتراجم والبقاع والمباركات) للمؤرخ شمس الدين السخاوى, يقول: (السيدة سكينة أول علوية قدمت الى مصر وسبب قدومها أن الأصبغ بن عبدالعزيز أمير مصر خطبها من أخيها وبعث مهرها الى المدينة فحملها أخوها الى مصر, فقالت له: والله لا كان لى بعل, فلما وصلت الى مصر مات الأصبغ بمصر, وماتت بمصر..). وبعيدا عن اختلاف المؤرخين, فإن منزلتها عند المصريين رفيعة, ومحبتها شائعة, عميقة, ويجمع الامام الشعرانى فى طبقاته على وجودها فى مصر, وفى كتب التراجم والسير نجد تفاصيل عديدة تبرز لنا شخصيتها الفريدة, قدر لهذه الحسناء, الصالحة أن ترى مصرع أبيها بعينيها فى كربلاء وأن تقاسى مانزل بآل الحسين, ومن أبرز ملامح شخصيتها علاقتها بالأدب. كان بيتها فى المدينة المنورة من مجالس العلم والأدب, كانت فصيحة اللسان. شاعرة, ومن التفاصيل التى حفظتها لنا المصادر التاريخية أن ثلاثة شعراء وفدوا على الحجاز, هم ابن سريح والفريض ومعبد, والشاعر المغنى حنين الحيوى, استدعاه شعراء الحجاز للاستمتاع بصوته الجميل الذى ذاع صيته فى الآفاق, واتفق الجميع على استضافته فى بيت السيدة سكينة, استأذنوها فأذنت لهم, وغصت الدار بالناس, ازدحموا لسماع صاحب الصوت الشجى, حتى أنَّ السقف بالجالسين وتصدع من تحتهم, وأوشكت الكارثة أن تقع لكنهم سلموا جميعا اصحاب الصوت العذب الذى أشجى الناس مات تحت الهدم, ورثته السيدة سكينة قائلة: (انتظرناه طويلا فلما جاء مات.. كأننا والله كنا نسوقه الى الموت). كانت دارها منتدى عاما للشعراء والأدباء, وكانت تفيض عليهم من يسرها. ومالها, تصغي الى أشعارهم, وتبدي آراءها التى كانت تعكس ذائقة فريدة, اجتمع فى مجلسها جرير والفرزدق وجميل وكثير ومصعب, كانت تجلس حيث يمكنها رؤيتهم ولا يرونها, وبدلا منها خرجت وصيفتها. قالت الوصيفة: * أيكم الفرزدق؟ ــ هاأنذا. * أنت القائل فى محبوبتك (وأقبلت فى أعجاز ليس أبادره). ــ نعم * فما دعاك الى افشاء سرها وسرك؟ خذ هذه الألف دينار والحق بأهلك. ثم دخلت سيدتها وعادت الى جرير لتسأله: * أنت القائل (طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعى بسلام) أومأ مجيبا فقالت بلسان سيدتها: فهل رحبت بها وقلت أدخلى بسلام, خذ هذه الألف والحق بأهلك. ثم دخلت وخرجت لتسأل كثير عزة عن قوله: فوالله مايدرى كريم مماطل اينساك إذ باعدت أو يتصدع تقول بلسان سيدتها: ملحت وشكلت.. خذ هذه الثلاثة آلاف دينار والحق بأهلك. ثم عادت لتسأل نصيب عن قوله: ولولا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسى النشأ الصغار بنفسى كل مهضوم حشاها إذا ظلمت فليس لها انتصار قالت: ربيتنا صغارا.. ومدحتنا كبارا, خذ هذه الألف والحق بأهلك. ثم انتهت الى جميل, قالت له: سيدتى تقرئك السلام, وتقول انها مازالت مشتاقة لرؤيتك منذ قلت: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة بوادى القرى إنى اذن لسعيد لكل حديث بينهن بشاشة وكل قتيل عندهن شهيد فقد جعلت حديثنا وقتلانا شهداء. تتضمن هذه الحادثة قدرتها على نقد الشعر, وتبرز ذوقها, ولقد أنكرت على الفرزدق افشاء سر محبوبته. وأثنت على جرير عفة شعره, وإن أنكرت أسلوبه, وأعجبت بأبيات كثير فى وصف حبيبته. وهالها من جميل دقة تعبيره فى شهادة قتيل المحبة, كانت السيدة سكينة مرجعا للشعراء, يحتكمون اليها اذا نشب خلاف, ومن شعرها فى رثاء أبيها: ياعين فاحتفلى طول الحياة دما لا تبك ولدا ولا أهلا ولا رفقة لكن على ابن رسول الله فانسكبي دما وقيحا وفى اثريهما الحلقة وقالت فى رثاء زوجها: فإن تقتلوه الماجد الذى يرى الموت إلا بالسيوف حراما وقبلك ماخاض الحسين منية إلى القوم حتى أوردوه حماما تلك جوانب هذه الشخصية النسائية الفذة, التى حباها الله بأصالة النسب الكريم, وأكرمها بموهبة القول شعرا ونثرا, وامتحنها بفقد الولد والزوج, لكنها ظلت تشع حسنا وعلما وجمالا وسكينة, وهذا ما أضفاه لقبها على مرقدها الجميل, الأنيق, والذى يقوم فى منتصف الطريق الأشرف الذى تتقارب فيه مراقد آل البيت, أولئك الذين توسدوا الثرى بالفعل, أو الذين أقام لهم المصريون مراقد عامرة فى قلوبهم, بالأمس واليوم وغدا.