لم تنته معركة الانتخابات الرئاسية الامريكية في الحادي عشر من نوفمبر كما جرت العادة منذ عقود طويلة, بل ظلت نتائج هذه المعركة تتراوح بين جذب وارخاء استغرقا ستة وثلاثين يوما اضافية, على ايقاع قرارات المحاكم المعنية بمعضلة الانتخابات, الى ان انتهت بالنتيجة المعروفة التي اعلنت الاسبوع الماضي بفوز الرئيس المنتخب جورج بوش الابن بمقعد الرئاسة الامريكية وتأهبه لتبوؤ مقعده في المكتب البيضاوي بالبيت الابيض الذي ستصطبغ سياساته في السنوات الاربع المقبلة ــ على الاقل ــ باللون الجمهوري! لم يكن الغريب في الامر ان تستمر هذه المعركة السياسية هناك في امريكا كل هذه الايام, لكن الغريب والمدهش ايضا هو تلك المعركة التي دارت رحاها في وسائل اعلامنا وبين المتابعين والمراقبين العرب, حول منظورهم للوضع السياسي الامريكي, حيث انقسمت الآراء بين قلق ومترقب وبين شامت في (الديمقراطية الامريكية) التي فشلت في ان تأتي برئيس جديد, كما في الغالب في ديارنا, (عادة بأغلبية ساحقة ولمرة واحدة)! بعضنا وهم قليل, لم يكن متشائما ولا قلقا ولا شامتا لأنه يعرف ان الآلية التي ارتضاها المجتمع الامريكي الحديث قادرة بشكل او بآخر على ان تحل هذه المعضلة (التقارب المتناهي في الاصوات) لان هناك دستورا مرنا ومجتمعا مدنيا يعتمد القانون اسلوبا وحيدا لحل مشكلاته ومن خلاله يستطيع القادة السياسيون ان يتجاوزوا المآزق التي تواجههم. وهذا هو ما حدث, فقد قررت المحكمة العليا ان يكون هناك فائز وخاسر, لتنتهي المسألة ورضي الجميع من السياسيين والمعلقين هذا الامر. ولم تتحقق الرغبات والتمنيات و(الشماتات) بأن تتحول الولايات المتحدة الى مسرح لحرب اهلية بتكريس الانقسام السياسي وتحويله الى انقسام عام يشمل مجالات المجتمع ككل. النتيجة التي انتهت اليها الانتخابات الامريكية والتي قررت من سيكون رئيسا لهذه الدولة الكبرى للمرة الثالثة والاربعين في تاريخها, لم تنبع هذه المرة من محصلة صناديق الانتخاب فقط, كما كان دائما في السابق, بل من بطون كتب القانون التي وضعت لحل المشكلات التي يمكن ان تواجه المجتمع الامريكي على ضخامة عدده والتعددية البالغة التنوع في نسيجه الاجتماعي. فالقانون هو الذي قرر في النهاية ان المصالح العليا للمجتمع الامريكي لا تحتمل التأخير او التسويف, حتى لو كان الامر كما قال احد القضاة في المحكمة العليا (اننا ربما لن نعرف على وجه اليقين هذه المرة من فاز حقيقة بأصوات الناخبين). قد لا تحدث مثل هذه المصادفة في اي وقت قريب في الانتخابات الامريكية, بأن تتساوى تقريبا حظوظ المرشحين, ولكن حتى هذه المشكلة كان لها دواء في آليات السياسة الامريكية. حكم القانون ترتضيه دائما المجتمعات المتحضرة لانها ترى انه الفاصل بين آراء عديدة مختلفة قد تكون متناقضة ولأنه ايضا يكون نابعا مما ارتضاه اغلبية المشرعين, وهو ــ كما الديمقراطية في آلياتها المرنة ــ يمثل حلولا وسطى لخلافات في وجهات النظر او المصالح لها سقف محدد تصل اليه ثم ينصرف الجميع لاعمالهم, وتبقى السياسة وسيلة لتحقيق شيء افضل هو تكريس مصالح المجتمع, لا ممارسة السياسة من اجل السياسة. ولان هناك تسرعا في القلق او الشماتة فيما حدث للانتخابات فإننا نجد ان هذا التسرع ينسحب على ما هو متوقع من الرئيس الجديد ان يفعله او لا يفعله في القضايا التي تهم الانسان العربي, باعتبار ان الولايات المتحدة في هذه الفترة التاريخية هي القوة العظمى الوحيدة في عالمنا الذي يسيطر عليه تشابك المصالح وسرعة التواصل التقني. لعل القضية الاهم هي ما يمكن ان تقوم به الولايات المتحدة تجاه القضية الاكثر اهمية وسخونة في وقت واحد, وهي الصراع الفلسطيني ــ الاسرائيلي. كانت بعض المخاوف تعكس انزعاج بعض المراقبين العرب من معسكر جور ــ ليبرمان, من جهة ان هذا الاخير ينتمي الى الديانة اليهودية, وبالتالي كان الافتراض ان ذاك الفريق في حال وصوله الى البيت الابيض, سينحاز كثيرا للمطالب والآراء الاسرائيلية, وبالتالي يذهب هذا المنطق الى القول: ان وصول الجمهوريين للحكم, قد يقدم الفرصة المواتية لفهم افضل لهذه القضية التاريخية التي استنزفت الكثير من الطاقات والدماء ووضعت الشرق الاوسط برمته في مرجل يغلي... لكننا نعتقد ان هذا الافتراض ليس بالضرورة صحيحا الى آخر مداه, فما يحكم سياسات الولايات المتحدة ليس هو الدين بل المصالح, اي انها تنحاز لحسابات الربح والخسارة وليس الى العقائد والاديان بعد ان فصلت منذ امد بعيد بين السياسة والدين. وما دام الامر كذلك, فإن لم تتغير المصالح فسوف تبقى سياسة الولايات المتحدة حيال الملف الاسرائيلي الفلسطيني على حالها وان اختلفت التكتيكات وحالها تلك هي حال ماتركته الادارة الديمقراطية من اخفاقات ونجاحات والتي كانت اصلا قد اكملت ما بدأته الادارة الجمهورية في ايام بوش الاب. لقد تغيرت مصالح الولايات المتحدة منذ زمن تغيرا ملحوظا, وتغيرت تبعا لذلك سياساتها فاعترفت بمنظمة التحرير وساهمت في جلب (معتدلين) الى الحكم في اسرائيل ولكن في نهاية المطاف, لا تستطيع اي ادارة امريكية ان تردم ــ ولو جزئيا ــ الهوة السياسية بين الفلسطينيين والاسرائيليين, ما لم يكن لدى الطرفين المباشرين استعداد للتقارب من جهة وما لم يكن لدى الاطراف العربية استعداد للتفاهم مع الولايات المتحدة تجاه مصالحها الدولية في المنطقة من جهة اخرى. دون هاتين الحركتين المتوازيتين حينا والمتقاطعتين حينا آخر لن تتزحزح القضية الفلسطينية من موقعها ومأزقها الحالي, المنذر بالخطر, مهما صفت النيات او تطلعت الاماني الى الافضل ودون حركة على هذين المحورين لن تستطيع اي ادارة امريكية ان تقدم لهذه القضية شيئا يذكر بخلاف بضعة اجتماعات تعقد هنا وهناك, تعقبها بعض التصريحات المفعمة بالعمومية والسباحة في عبارات فضفاضة. وكذلك تبادل الخطب والبيانات الصحافية التي تعقب الاجتماعات التفاوضية التي لن تتغير فيها الا الوجوه فقط. لتبقى الافكار تراوح مكانها! فالتفاؤل اذن بأن الجمهوريين عندما يتسلمون الحكم سوف يعملون على ايجاد مخرج للوضع المتأزم بشدة في الشرق الاوسط, لن يكون له ما يبرره الا اذا استند الى تحرك واقعي على الارض من جميع اطراف الصراع, والا فسوف يكون تفاؤلا مرضيا, اقرب الى التهويم الذي يفصل بين الاسباب والنتائج, وهو الامر الذي سيبقي الوضع على ما هو عليه لزمن طويل مقبل, وربما انقلب به الى الاسوأ مستدعيا صراعات وحروبا مريرة عصفت بالمنطقة طوال نصف القرن المنصرم, وهو ما قد يدفع البعض الى الاعتقاد بأن نوعا من (الارهاب) ربما يقنع الادارة الامريكية الى تغيير مواقفها والنظر الى القضية بعين مختلفة وهو المسلك الذي نشك في نجاحه بل الاكيد انه سيدفع الادارة القادمة (الجمهورية) (وهي تشعر بأنها اقلية) الى اتخاذ مواقف جذرية وخطوات عملية تصب في النهاية في خانة المعسكر الآخر, وتعزز مصالحه! والأمر نفسه ينسحب على الملف العراقي, وهو الملف الثاني الشائك في الشرق الاوسط, اذ يتطلع البعض الى امكان حله بسبب علاقة الرئيس الجديد بموقف الرئيس الاب تجاه هذا الملف. وإذا طبقنا المعايير السابقة في فهمنا للعمل السياسي الامريكي, فإن هذا الملف سوف يسير كما سار اثناء حكم الديمقراطيين, دون مبادرة واضحة. فلا شعور العراقيين بالقلق, ولا شعور الآخرين بالاطمئنان يكفيان مبررا لان نتصور ان الادارة الجمهورية الجديدة, وتحت قيادة بوش الابن, سوف تحقق لهم, او لا تحقق عملا معينا بذاته في هذا الملف المعلق منذ عشر سنوات. العامل الوحيد الحاسم الذي سوف يحرك هذا الملف الى الامام او الى الخلف, هو موقف الاطراف المرتبطة به وهنا يجدر القول: ان ذلك يعتمد كثيرا على القراءة العراقية لما تتوقعه من الادارة الجديدة وهي قراءة شائكة ومعقدة. فإن افترضت بغداد ان هذه الادارة معادية اكثر من اللازم وحاملة لبذور ما تعتقد ان ما قام به بوش (الاب) في السابق, هو فعل خيار خاص وشخصي (وهو احتمال تفكير قائم ومتوقع في بغداد), او افترضت بغداد (ان الادارة الجديدة اضعف مما يلزم بسبب ما حدث بعد الانتخابات من شقاق على اختيار الرئيس) ان افترضت احد الافتراضين ــ وذلك ممكن ــ يجعل الادارة الجديدة تقوم بردة فعل جذرية على المدى المتوسط. وإن قرأت بغداد الامر كما هو, فإن اي تغيرات في السياسة الامريكية تجاهها ستكون طفيفة وسطحية, وتبقي الحال كما هي للفترة المقبلة, والاخطر ان تشعر بغداد بأن الادارة الجديدة قاصرة ومعقدة بسبب الوضع الداخلي الامريكي, وهنا يمكن ان تفتح ملفات لم تكن قد فتحت بعد, ويمكن ان تجري مياه كثيرة في النهر لم تكن قد جرت بعد وستتحرك في الفضاء السياسي للشرق الاوسط الكثير من السياسات الجديدة باعتبار ان الذاكرة الشعبية الامريكية ما زالت تحمل للعراق ذكريات سلبية. الانقسام السياسي في الولايات المتحدة الذي نشأ بسبب اختلاف على اختيار حاسم وواضح للرئيس كما لم يحدث قط في العقود الاخيرة, قد يكون احد طرق الشفاء منه تحريك وضع خارجي مؤثر, ودرامي تتخذ فيه الادارة الجديدة مواقف صلبة, وتعيد التلاحم من جديد للصفوف السياسية الامريكية الداخلية, وتوجهها الى هدف جماعي وقد اصبحت اليوم السياسة الخارجية جزءا لا يتجزأ من السياسة الداخلية, وهو صحيح في كثير من البلدان وعلى رأسها الولايات المتحدة, حيث القول المشهور (ان الحدود تقع فيما وراء البحار) نابع من هناك وهذا العلاج الخارجي مرشحة له منطقة الشرق الاوسط, كما يظهر الآن. من اي منطقة اخرى في العالم. فأوروبا وخصوصا وسطها اصبح هادئا, وروسيا لا ينتظر ان تظهر فيها مشاكل عاجلة, والكوريتان تسيران قدما على طريق الوفاق, والصين تتحول الى السعي لتحقيق التفهم والتفاهم مع المعسكر الغربي. لم يبق اذن من المناطق الساخنة والقابلة للاشتعال, غير الشرق الاوسط, وخاصة حوض الشام الكبير, بامتداده الفلسطيني والعراقي, الذي سوف تواجه فيه الادارة الامريكية الجديدة اكبر تحدياتها الخارجية, وربما اثمن وأهم فرصها ايضا.