شيء ما أجهله تماما يشدني بقوة نحو أولئك الذين يعيشون الغربة خاصة في أيام الشتاء, فليس أقسى من الغربة في الشتاء, حيث البرد والوحدة وحيث الأفق مملوء بالمفاجآت القاسية, وحيث ينظر الغريب من نوافذ غربته فلا يلمح سوى خيالات بعيدة يبتلعها الليل المسرع دائما نحو ابتلاع نور النهار القصير. عشت الغربة زمنا ليس بالطويل, لكنني أحسست بوقع ظلمتها وثقلها, واليوم عندما أفكر في بناتنا وأبنائنا الذين يدرسون في أصقاع العالم البعيدة أو يعملون في بعثاتنا الدبلوماسية أو أولئك الراحلين خلف أسباب أخرى كالعلاج والمهمات والعمل وأشياء أخرى.. عندما أفكر فيهم أشعر بحنين جارف لأسمع صوت قلوبهم ونداء أرواحهم, أشعر برغبة في أن أرتشف حكايات الغربة من آبارهم العميقة, علهم يطمئنون إلى شيء من دفء الوطن ودفء العائلة. لقد سمعت حكايات الغربة القاسية من أصدقاء واخوة وقعوا في قلب هذه التجربة, وقد تهون الوحدة في كل لحظة, لكنها الذاكرة تتشظى بتذكاراتها وضجيجها في أيام الشتاء جاعلة الحزن رفيقا مختبئا, قريبا إلى القلب ليس على مرمى حجر بل على مرمى دمعة! لقد مكثت زمنا في أمريكا, وكانت لي فيها تجربة دراسة لم تكتمل, ولكن الذاكرة التي شقيت بالوحدة مازالت تضج بصور تلك الأيام القاسية, اليوم أفكر في الغرباء وأتذكر تلك الطالبة التي كنتها وهي تعود من معهد اللغات في أحد أحياء ولاية فرجينيا, حيث يحملني قطار الواحدة والنصف ظهرا من المحطة حيث يقع المعهد إلى المحطة المجاورة لأحد أكبر المراكز التجارية حيث موقف تجمع الحافلات فإذا جئت متأخرة دقيقة واحدة, وجب علي الانتظار ساعة كاملة لأحظى بباص ينقلني إلى المنزل بدولار واحد وإلا فما علي سوى الاستعانة بسيارة أجرة ودفع ما لا يقل عن 15 دولارا إذا كان البرد والجوع قد استبدا بي بما فيه الكفاية! وعندما أصل متأخرة أضطر أن ألوذ بمكان الانتظار متلفتة حولي باحثة عن أمان في أحد العيون أو الوجوه فلا أعثر على غير الغربة والجمود, فأنكمش متشبثة بنفسي, شادة المعطف بقوة احتماء به من قسوة الريح الباردة التي كانت تلفح وجهي وتجمد أطرافي وتزيد في شعوري بالغربة ويتم من فارق الأهل والوطن والعائلة, حتى إذا لاحت الحافلة برقم (25 أ) كانت لي كبشارة خلاص لا أكاد أصدقها, عندها أركب مسرعة محتمية بمقعد أخير فيها بحثا عن شيء من الدفء لا عن أي شيء آخر! أفكر في تلك الصور وأنا أسمع حكاية ذلك الشاب الذي ذهب في رحلة علاج مرافقا لوالده, وفي مستشفى إحدى دول أوروبا يقبع هذا الشاب بانتظار لا شيء ولا أحد سوى الفراغ والأيام التي تمر بطيئة بانتظار شفاء أبيه, ليس سوى صوت عاملات المستشفى, والطبيب الذي يأتي في موعده المعتاد عند السادسة صباحا مع طاقم ممرضاته يعلن عنهم بقوة وقع أحذيتهم في ممرات المستشفى الكبير. أفكر فيه وهو يستلم بطريق الخطأ رسالة حميمة عبر هاتفه النقال فيسرع مباشرة بالاتصال بمرسلها الذي هو شخص غريب لا يعرفه هنا في الامارات, ومع ذلك يطول الحديث بينهما, ويبدأ الشاب يشكو وحدته وغربته وأيامه الطويلة القاسية في شتاء ألمانيا القارس, ويظل يتحدث كمن يتشبث بالحياة وبدفء العائلة ورائحة الوطن, كاسرا بهذا الاتصال الغريب جوا من الوحدة والرتابة في قلب الغربة المظلم. الغرباء والمتسولون يناجون رحمة الله كما يقول هوميروس, لكن المتسول قد يجد ضالته حيثما اتفق, أما الغريب فلا تنتهي غربته إلا حيث يجد ضالته في أحضان من يحب: وطنه وعائلته ومنزله.