رحم الله الأستاذ هادي العلوي. كنا نقرأ له خلال اقامتنا التي دامت بين بيروت وبغداد على مدار ست أو سبع سنين.. مقالات منشورة ومنثورة وأحيانا منجمة (مسلسلة) في أكثر من صحيفة سيارة ، وخاصة في لبنان وكنا على البعد معجبين بهذا الدأب المخلص وهذا التكريس الشغوف المفعم بالاخلاص في البحث.. يتبدى من كتابات مثقف عربي كنا نعرف آنذاك أنه عن أصل عراقي, وأنه كان يعيش كما نحسب في حال من النفي الذاتي.. بين ربوع لبنان.. بل كانت معيشته أسلوبا في التزهد وفي التقشف.. يكتفي بما يقيم الأود.. ويلبس ما يستر الجسد ويتوخى ما يحفظ الكرامة.. ويكتب من أجل تبديد وهم ويبحث من أجل ازالة غشاوة ويغوص في أعماق التراث الثقافي الفني, والمعرفي العربي الاسلامي لكي يجلو عن أديمه ما قد علاه من صدأ التقادم وما شابه من مدخول الهجين وما طرأ عليه من تصدع وركاكة وخاصة في عصور الانحطاط. ولأن أمثال هادي العلوي يعدون أنفسهم بمثابة حراس على تراث أمة العرب والمسلمين فإن كتاباتهم وأبحاثهم إنما تمثل في رأينا المتواضع اجتهادات تأسيسية بمعنى أنها تناضل كي تقدم جوهر التراث وتدفع به تحقيقا وتجميعا ونشرا الى جماهير القارئين.. وحسبنا وحسبهم أن يكتفي الباحث بالتقديم والتمهيد للعمل التراثي وقد يشفعه بما يستطيع تمحيصه وتدوينه من حواش على المتن أو تعليقات على النص أو شروح أو اضاءات لا تجور على الأصل التراثي بحال من الأحوال. ومن هذه الجهود أيضا ما كان يلجأ اليه هادي العلوي أيضا من عمليات جمع وتفريق كما قد نسميها مستهدفا في ذلك إساغة الذخيرة الثمينة التي يجوبها الابداع الثقافي والمعرفي الذي قدمته حضارة المسلمين بالعربية الى فكر الانسانية وحضارتها على اختلاف حقب من الزمن وعلى مر عصور. في هذا الاطار أصدر الرجل رحمه الله كتابين تعتز مكتبتنا الخاصة بضمهما اليها وأولهما بعنوان من قاموس التراث وهو محاولة محمودة وقف فيها الكاتب الباحث على نحو 25 من المفاهيم المصطلحات التي تعرض لقارئ التراث بل تعرض للمهتم بالفكر العربي الاسلامي في سياحته الفكرية وأحيانا في حياته العادية, واستطاع الكاتب أن يبلور كلا منها وأن يستقطر من الفكر والابداع العربي على اختلاف مجاليه وتباين مصادره ما أعان على عرض هذه المصطلحات المفاهيم الخمسة والعشرين بشكل يجمع في آن واحد بين المتعة والمعرفة والاحاطة والبلورة والشمول. يبدأ هذا المعجم المكثف بمصطلح الاجتهاد وتتوالى عبر صفحاته مصطلحات من قبيل الجاهلية والحجاب والساميون والسقيفة والشعوبية وعلم الكلام والعيادون والشطار (الصعاليك والسراق) والفرق (جمع فرقة) الاسلامية والناسخ والمنسوخ.. ونهج البلاغة وكنز الأموال وتحت مصطلح الشريعة يكتب هادي العلوي في قاموس التراث. الشريعة هي القانون الاسلامي ويعرفها الفقهاء بأنها اسم للأحكام الجزئية التي يتهذب بها المكلف معاشا ومعادا سواء كانت منصوصة من الشارع (المشرع) أو راجعة اليه.. وقولهم معاشا ومعادا يفيد معنى المعللات أي أمور الدنيا والعبادات وهي ما يقصد به أمور الدين المؤدية الى الفوز بالجنة.. وأصل الشريعة في اللغة مورد الماء واشتقاق القانون من المعنى الحسي الدال على المقصد والطريق أمر دارج في اللغات.. ومن ذلك مصطلح السنة الاسلامي المعروف ومعناها الأصلي الطريق ومصطلح التاو في الفلسفة الصينية ومعناها أيضا الطريق ويستعمل بهذا المعنى حتى الآن في لغة الصين. ومن المعتاد أن يرد اصطلاح الشريعة منفردا للدلالة على القانون الاسلامي ولو أن معناها عام إذ يقال مثلا شريعة حمورابي (في بابل القديمة) أو يقال شريعة نابوليون لما يقابل الاصطلاح الأوروبي (كود). ويرصد (قاموس التراث) نشوء وتطور ونضج الشريعة الاسلامية عبر مصدريها الأساسيين وهما القرآن والسنة, الى أن يقف عند ما طرأ على بنية الأمة ومنظومة القيم التي اعتمدتها من وهن وتصدع مما انعكس سلبا على اهمال الشريعة كدستور للدولة الاسلامية ورغم ذلك يضيف هادي العلوي فقد (ظهر على امتداد هذه العصور فقهاء كبار خلفوا تراثا قانونيا خالدا في اتساعه ونضجه ودقة بنائه اللغوي والاصطلاحي ويمكن للعصور الاسلامية أن تفخر في الحقيقة بمن انجبتهم من الحقوقيين العظام ومن المشرعين واسعي الأفق..). وإذ نستميح قارئنا الكريم على ما أوردناه من سطور ربما تكون جادة بأكثر مما تحتمله استراحة.. فقد نورد على سبيل التعويض, فيما نرجو, مقتطفات مما أنتجه هادي العلوي من سجل الهجاء العربي الذي وصفه بأنه فن أدبي أصيل يختلف عن معظم فنون الشعر الأخرى في كونه يصدر عن الذات الشاعرة غير متأثرة باعتبارات المصانعة أو المصلحة وغالبا ما يكون ثمرة لمعاناة شخصية تتحدد في معزل عن عوامل الضغط في المجتمع أو المعشر أو الدولة مما قد يعني في حد ذاته قدرا من المجابهة تضاعف من ذاتية الهجاء وبالتالي من حيويته بوصفه فنا. وقد نتحفظ من جانبنا على بعض ما يذهب اليه الأستاذ هادي العلوي. فليس كل الهجاء بعيدا عن التأثر بالمصلحة ولا صادرا عن الذات الشاعرة.. أي لوجه الله والتعبير والشعر.. من الهجاء ما قد يصدر عن دوافع التشهير أو الابتزاز طلبا لمصلحة أو ابتغاء لجائزة تدفع مقابل السكوت وكما في دنيا النشر صحافة صفراء, فإن في دنيا الشعر قصائد صفراء. وربما يكون هادي العلوي قد تأثر ببيتين من الشعر البليغ يقارن فيهما صاحبهما بين الهجاء والمديح يقول: وقالوا في الهجاء عليك إثم وليس الاثم إلا في المديح لأني إن مدحت, مدحت زورا وأهجو حين أهجو بالصحيح وعندنا أن هذا من حسن التعليل.. بقدر ما أنه أيضا من خبث التبرير والتسويغ. ولعل أهم ما في ديوان الهجاء العربي كما اسماه هادي العلوي أنه يورد مختارات من شعراء مجهولين وشبه مجهولين مما يثري معلوماتنا بفن الشتيمة الأدبية في تراثنا بذخيرة جديدة ومن ذلك مثلا: هذا محارب جاهلي يعاتب قومه الذين يدعونه عند القتال وينسونه عند الجائزة, وهي جائزة ساذجة عبارة عن مائدة طعام من الحيس وهو مخلوطة التمر والطحين والسمن وربما كانت رغم تواضعها تمثل منتهى أحلام الجاهلي البسيط الذي يعاتب قائلا: يا عمرو خبرني ولست بفاعل وأخوك نافعك الذي لا يكذب أمن القضية أن اذا استغنيتم وأمنتم فأنا البعيد الأجنب واذا الشدائد بالشدائد مرة أشجنتكم فأنا المحب الأقرب واذا تكون كريهة أدعى لها واذا يحاس الحيس يدعى جندب وهذا جاهلي آخر يهجو معاصرا له والتشبيه هنا يدور حول الماء وهو من أندر الموارد وأعزها: لو كنت ماء كنت لا عذب المذاق ولا مسوسا ملحا بعيد القعر قد فلت حجارته الفؤوسا وثمة شاعر مسلم عاش في عصر الحجاج ولم يتورع عن شتيمة يزيد بن المهلب في أبيات قال فيها: أمرتك أمرا حازما فعصيتني ما صبحت مغلول الامارة نادما أمرتك بالحجاج إذ أنك قادر فنفسك ولّ اللوم إن كنت لائما فما أنا بالباكي عليك صبابة ومن أنا بالداعي لترجع سالما قال الراوي: وربما كان في تلك الأبيات حتف الشاعر المسكين فقد حبسه الحجاج بن يوسف إياه الى أن مات. حتى جميل بثينة وهو من شعراء الغزل العذري الرقيق.. لم يسلم لسانه من الهجاء وإن كنا نراه على حق فهو يهجو عاشقا أكولا.. انتفخ كرشه ومع ذلك ظل يدعي أنه عذري الهوى.. يقول جميل: لو كنت عذري العلاقة لم تبت بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل وهذا شاعر خارجي يهجو قوما من أعدائه يقول: أسرناهم وأنعمنا عليهم وأسقينا دماءهم التراب فما صبروا لبأس عند حرب ولا أدوا لحسن يد ثوابا ثم تصادف في ديوان الهجاء شاعرا آخر له ابيات تجمع بين البلاغة والطرافة.. ولا عجب فسيرة حياته واسمه نصيب بن رباح تقول أنه شاعر من أصل أفريقي كان يقول الشعر لا من أجل التكسب الرخيص في سوق النفاق ولكن من أجل هدف نراه نبيلا يقوم على المروءة وهو أ ن يفتدي بالعتق أفراد أسرته الذين كانوا يرسغون وقتها في رق العبودية.. يقول صاحبنا عن العشق والعاشقين: وقفت لها كيما تمر لعلني أخالسها التسليم إن لم تسلم ولما رأتني, والوشاة تحدرت مدامعها خوفا ولم تتكلم مساكين أهل العشق ما كنت أشتري جميع حياة العاشقين بدرهم وكان من الطبيعي أن يفرد ديوان الهجاء صفحات مطولات لأبي نواس يصول ويجول في مضمار الشتيمة الفنية.. يهجو بخيلا فيقول: رأيت الفضل مكتئبا يناغي الخبز والسمكا مقطب حين أبصرني ونكس رأسه وبكى فلما إن حلفت له بأني صائم ضحكا ويهجو حسناء كثيرة العشاق.. يقول: ومظهرة لخلق الله حبا وتلقي بالتحية والسلام أتيت فؤادها أشكو اليه فلم أخلص إليه من الزحام