ان شخصية رئيس الوزراء الاسرائيلي باراك محيرة وغامضة, وليس من السهل اصدار حكم بات بشأنها. فهل هو رجل معتدل ومهادن, أم متطرف ومارق؟ هل نستطيع ادخاله ضمن خانة وايزمن وبيريز وبيلين وسريد ورابين وغيرهم من الزعماء الاسرائيليين الذين يعرفون بالاعتدال النسبي, ام نصنفه في عداد المتشددين الذين طرحوا اثواب الورع السياسي, وخلعوا براقع الحياء وتمرغوا في اوحال التعصب, من مثل كاهانا وشامير ونتانياهو وشارون, وكل من دار في مدارهم القذر؟ اذا نظرنا في ماضي هذا الرجل نجد انه قاتم. وهناك كثيرون من الناس ربما لا يعرفون انه منذ عدة عقود من الزمن قد تدثر بدثار امرأة واطبق بنفسه في جنح الظلام على عدة زعماء فلسطينيين في بيروت, وأبرزهم كمال ناصر, فأرداهم قتلى وهم في منازلهم آمنون وادعون. ومثل هذا العمل المشين, لا يمكن ان يصدر عن انسان عادي. ومن جهة ثانية, فمنذ ان تولى باراك الحكم وحتى الآن, لم ينفذ من الناحية العملية وعلى الارض اكثر مما نفذ نتانياهو في مجال الخطوات السلمية, فالثاني كان قد سلم السلطة الفلسطينية بعض الاراضي المهمة في الخليل, بينما اخلى لها الثاني اراض اخرى, بموجب اتفاقية واي ريفر التي اصبح يشار اليها بعد ذلك باتفاقية شرم الشيخ. وفي مجال الاستيطان, فإن الامور سارت على المنوال نفسه, وبالوتيرة ذاتها. بل ان المستوطنين ازدادوا همجية وغدرا وشراسة في العهد الجديد. وأكثر من ذلك فإن باراك وضع الزعيم المعتدل شمعون بيريز على الرف السياسي, وأوكل اليه حقيبة وزارية ثانوية, بدلا من ان يعتمد عليه بصورة اساسية وجوهرية وهو المعروف بخبرته واتجاهاته السلمية. وهناك ايضا استخدام القوات الاسرائيلية القوة المفرطة, كقوة الصواريخ والدبابات لمواجهة حجارة الفلسطينيين. ان كل الدلائل السابقة تشير الى سوء النية وخبث الطوية وتوحي لنا بالتشاؤم الشديد. ولكن للصورة وجها آخر يستحسن تقصي ملامحه قبل اصدار الحكم النهائي, اذا اردنا ان نكون موضوعيين وحياديين في احكامنا: فمع ان ما عرضه باراك في مفاوضات كامب ديفيد الاخيرة, يعد اقل من الحد الادنى المقبول من المطالب الفلسطينية والعربية الا انه يفوق ما عرضه اي زعيم اسرائيلي آخر, وكما جاء على ألسنة العديد من المسئولين الاسرائيليين, فقد عرض الرجل تسليم السلطة الفلسطينية زهاء 95% من اراضي الضفة الغربية. كما انه ولأول مرة ابدى استعدادا لمنح الفلسطينيين السيادة على القدس الشرقية باستثناء المسجد الاقصى والحي اليهودي والحي الارمني. ثم عاد فقبل بسيادة دولية على المسجد الاقصى. ولعلنا نستذكر تصريحه غير المسبوق بأن اسرائيل تقبل بقدسين, احداهما عاصمة لها والثانية عاصمة للفلسطينيين. وقد ادلى بهذا التصريح قبل يوم واحد فقط من زيارة شارون المشبوهة الى المسجد الاقصى. كما انه وافق على اعادة اكثر من مئة ألف فلسطيني الى الاراضي المحتلة قبل عام 1948, وإعادة مئات الآلاف منهم الى الضفة الغربية فضلا عن استعداده للاعتراف بدولة فلسطينية. وفي مقابل هذه العروض العلنية, ليس من المستبعد ان تكون هناك شروط امنية في غير صالحنا. ومهما يكون الامر فإن هذه العروض لا تنسجم مئة بالمئة بصورة كاملة مع قرارات الامم المتحدة والشرعية الدولية ومرجعية مؤتمر مدريد. وهكذا, فإن هناك دلائل معينة على تشدد باراك, وأخرى على اعتداله. ومن المحتمل ان يكون الرجل ميالا الى الاعتدال السياسي في اعماقه, ولكنه يخشى المواجهة مع المستوطنين والمتدينين المتطرفين. وعلى كل حال, فإن الطريق التفاوضي الذي سار فيه حتى الآن يفتقر الى التوازن والمنطق. فهو يريد ان يصل الى حل يرضي اليمين الاسرائيلي المتشدد والفلسطينيين في آن واحد. وهكذا امر غير معقول, اذ لابد من التخلي نسبيا عن احد الطرفين لصالح الطرف الآخر. فإذا اختار الرجل التجاوب مع المتشددين الاسرائيليين, فإن معنى هذا عدم امكانية الوصول الى تسوية سلمية. وهذا من شأنه ان يؤدي الى استمرار الانتفاضة وازدياد حدتها, والى فشله في اي انتخابات قادمة لأن ناخبيه صوتوا لصالحه على اساس خيار السلام. كما ان آخرين في حزب العمل قد يحلون محله, فيخسر رئاسة الحزب, ايضا. اما اذا اختار باراك ان يلبي مطالب الفلسطينيين, فإن هذا سيدفع جميع المتطرفين الاسرائيليين الى التحالف ضده واسقاطه. وهكذا يبدو الرجل محاصرا ضمن بوتقة ثمنه لا يستطيع الخروج منها. ومع ذلك فلكل نصر صمنه. وإذا اراد باراك ان يحقق فوزا في مجال السلام, فإن عليه ان يجازف ويدفع الثمن: وأنا ارى ان الطريق الوحيد امامه هو ان يقبل بمؤتمر دولي للسلام يفرض الحل فرضا على الطرفين, على اساس الشرعية الدولية وقرارات مجلس الامن ومثل هذا المؤتمر يمكن ان تشارك فيه روسيا وبعض الدول الاوروبية ومصر والاردن بالاضافة الى الولايات المتحدة والاطراف المتخاصمة. وإذا ما فرض المؤتمر حلا ما, فإن باراك يستطيع ان يتحرر من المسئولية ويقول للشعب الاسرائيلي ان التسوية تمثل ارادة الاسرة الدولية. وهناك ورقة ثانية في يده, وهي ورقة عرض شروط الاتفاقية على الشعب الاسرائيلي الذي سيجد ان من الصعب عليه ان يعترض على حل عادل اجمعت عليه دول كثيرة منها الولايات المتحدة ولية نعمة اسرائيل. وبهاتين الورقتين, اي الحل الدولي, وعرض التسوية على الاستغناء الشعبي, قد يستطيع باراك ان يسحب البساط من تحت اقدام احزاب اليمين المزاودة التي تسعى لاهثة للوصول الى سدة الحكم. كاتب سوري