اذا لم يكن بد للفلسطينيين من القبول باستئناف اللعبة التفاوضية مع الجانب الاسرائيلي فإن الظرف السياسي الفريد الذي خلقته الانتفاضة الدموية يتطلب على الجانب الفلسطيني ذهنية تفاوضية جديدة, وبالتالي تشكيلة مفاوضين جديدة. وإلا فإن دماء 300 شهيد او اكثر في مدى زمني نضالي يقارب ثلاثة اشهر تكون قد ذهبت هدرا. لقد ابدى التنظيمان الفلسطينيان اللذان يتحملان العبء الاعظم من العمل الجهادي اليومي ــ (فتح) بقيادة مروان البرغوثي و(حماس) بقيادة الشيخ احمد ياسين ــ معارضة جهرية صلبة للقبول المبدئي من قبل الرئيس عرفات لاستئناف عملية التفاوض مع الاسرائيليين وما سبق هذا القبول من اتصالات بين السلطة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية ابرزها وأهمها اجتماع بين عرفات ووزير الخارجية الاسرائيلية شلومو بن عامي. فقد قال البرغوثي (ان الفلسطينيين لا ينتظرون شيئا من المفاوضات.. ولقد تفاوضنا سبع سنوات دون الحصول على شيء). وأضاف: (ان متابعة الانتفاضة هي السبيل الوحيد لارغام اسرائيل وواشنطن على اتخاذ قرارات). وقالت حماس في بيان: (ان العودة للتفاوض مع العدو المجرم ستواجه بغضب شعبنا وسخطه الشديد وان كل ما يتمخض عن مثل هذه المفاوضات لا يمثل شعبنا ولا يلزمه بشيء). ان هذا الموقف الحاد من جانب (فتح) و(حماس) تجاه السلطة الفلسطينية يبرز الى السطح تناقضا رأسيا بين عقليتين: العقلية الثورية التي لا ترى طريقا للخلاص للشعب الفلسطيني وتحقيق اهدافه العليا الا طريق المقاومة المستمرة التي لا يجب ان تتوقف اطلاقا الا بعد ان تستسلم اسرائيل وتسلم بالحقوق الفلسطينية الكاملة غير المنقوصة.. والعقلية التقليدية التي ترى ان التفاوض السلمي هو الاستراتيجية الاساسية التي يجب ان تعتمد للتعامل مع اسرائيل.. وبالتالي فإن الانتفاضة ليست وفق هذا التصور سوى طارىء عابر او في افضل الاحوال اجراء استثنائي لا يلجأ اليه الا في ظروف قصوى.. ويزول بزوال هذه الظروف. والسؤال الذي نحب ان نطرحه هو: هل من طريق ثالث؟ ان رفض التفاوض جملة وتفصيلا ومن حيث المبدأ ليس قرارا حكيما. فالانتفاضة, مع ضرورة استمرارها وتطويرها وتصعيدها كلما استدعت المتغيرات الظرفية ذلك, يجب ان تكون مبدئيا قابلة للاستثمار السياسي. ان المقاومة ليست غاية في حد ذاتها.. وانما هي وسيلة لتحقيق اهداف سياسية وطنية باجبار العدو على التفكير بأن الاستجابة لمطالب المقاومة افضل له من تلقي ضربات موجعة تلو ضربات. وبذلك تنشأ علاقة طردية بين النضال الميداني والتفاوض السلمي: يشتد النضال ويتواصل. ولكن عندما يبدأ العدو في استشعار الوجع ويطلب استئناف التفاوض فإن على الطرف المقاوم ان يستثمر هذه الفرصة لقبول الدخول في العملية التفاوضية.. فلربما يكون العدو قد اقتنع عمليا بابداء تنازلات. انني لا اقول ان المفاوض الاسرائيلي قد وصل الآن, بعد نحو ثلاثة اشهر من المقاومة الفلسطينية, الى نقطة الاستعداد للتنازل. على العكس اقول ان الشوط لا يزال طويلا امام الانتفاضة. ما اقصده هو ان قادة المقاومة لا ينبغي ان يرفضوا التفاوض من حيث المبدأ. ان ما هو اجدر بقادة المقاومة هو ان يرفضوا الذهنية التفاوضية التقليدية للسلطة الفلسطينية.. ذهنية الاستسلام والتنازل المجاني. ولا يمكن تغيير هذه الذهنية الا باحداث تغيير جذري في تشكيلة المفاوضين بحيث يتكون فريق تفاوضي جديد يعكس الاجماع القومي الفلسطيني الذي افرزته الانتفاضة.