ترسم نتائج اقتراع الامريكيين العرب في انتخابات عام 2000 صورة مثيرة للاهتمام لهذه الجالية وهي تكشف عن اجماع متزايد في صفوف الامريكيين العرب على قضايا مهمة تتعلق بالشرق الاوسط وتبرهن، على ان الصدمة الناجمة عن العنف الناشب حاليا في فلسطين قد تركت تأثيرا كبيرا على تفضيلات الناخبين الامريكيين العرب. وهناك استطلاع للرأي أجراه معهد زغبي الدولي عن عينة مختارة عشوائيا من الناخبين الامريكيين العرب بتكليف من تلفزيون ابوظبي ضمت 605 ناخبين جرى استطلاع رأيهم في الفترة ما بين 20 الى 29 نوفمبر الماضي وهناك هامش للخطأ في نتائج الاستطلاع يصل الى + - 4.5%. وكانت النتيجة الاولى التي اسفر الاستطلاع عنها هي ان الامريكيين العرب قد ايدوا المرشح الجمهوري جورج بوش في مواجهة المرشح الديمقراطي آل جور بنسبة 45.5% للأول و38% بالنسبة للثاني, بينما حصل رالف نادر مرشح حزب الخضر على 13.5% من اصوات الناخبين في الجالية. ولكن فحصا ادق لنتائج الاستطلاع يكشف عن عدد من الحقائق المتعلقة بانماط تصويت الامريكيين العرب وما فضلته الجالية في انتخابات عام 2000. فقد اوضح الاستطلاع ان فوز بوش قد حدث على الرغم من توجه في صفوف الناخبين الامريكيين العرب الى الديمقراطيين بنسبة 38 - 40% وهامش بوش الذي يبلغ 7.5% زيادة على هامش جور عندما يقارن بهامش كلينتون البالغ 20% زيادة على المرشح الديمقراطي بوب دول في عام 1996 يمثل انتقالا دراماتيكيا نسبته 28 % تقريبا حيث قام حوالي 390 ألف ناخب امريكي عربي بالانتقال بين الديمقراطيين والجمهوريين والحزب الثالث ما بين انتخابات 1996 و2000. وفي الغالب العام فإن اقتراع الناخبين الامريكيين العرب في عام 2000 يوضح وجود ولاء قوي للحزب في سلوكهم الانتخابي وبينما انقسم الامريكيون العرب بنسبة 40% للديمقراطيين و38% للجمهوريين واعتبر 22 % انفسهم مستقلين فإن غالبية منهم واصلت تأييدها لمرشح حزبها و25% فقط من الناخبين الامريكيين العرب هم ممن يطلق عليهم لقب الناخبين المنتقلين اي الذين ينقلون اصواتهم بحسب تفضيلهم للمرشح وموقفه من القضايا المختلفة. والمجموعات الفرعية التي تظهر اقوى ارتباطا بالحزب هي المجموعات التي تضم من ولدوا في الولايات المتحدة حيث يحتمل بشكل اكبر ان يقوم الامريكيون العرب المهاجرون بتغيير ارتباطهم الحزبي من انتخاب الى انتخاب آخر. ومن شأن مقارنة نتائج انتخابات هذا العام بنتائج انتخابات 1996 على سبيل المثال ان توضح ان الناخبين الامريكيين العرب المهاجرين قد ايدوا كلينتون بنسبة 54.5 في المئة الى 26% عام 1996 ثم انتقلوا الى نسبة 42% الى 34% في الاقتراع لبوش عام 2000. غير انه على الرغم من هذا الانتقال فإن من المهم ان نلاحظ ان غالبية الناخبين الامريكيين العرب الديمقراطيين والجمهوريين على السواء قد واصلوا تأييد مرشحي احزابهم في 1996 وكذلك في عام 2000. والمقارنة بين هذه النتائج ونظيرتها في الانتخابات السابقة من شأنها ان توضح كذلك الجماعات الفرعية الاخرى في صفوف الامريكيين العرب وعلى سبيل المثال نشير الى المسلمين الذكور المصريين والفلسطينيين يحتمل بشكل اكبر ان تنقل اصواتها مقارنة بالجماعات الفرعية للامريكيين العرب. 1ــ عاملا ليبرمان ونادر: بينما حظي بوش بتأييد 26.5% من جميع الامريكيين العرب الذين يصفون أنفسهم بأنهم جمهوريون فإن جور لم يتمكن الا من اجتذاب 75% فقط من الامريكيين العرب الذين يصنفون انفسهم بأنهم ديمقراطيون وكذلك فاز بوش بأصوات 40% من المستقلين وحظي نادر بتأييد 30.5% من المستقلين ولم يحصل الا على تأييد 24.5% من اصوات هذه المجموعة. وقال نصف الديمقراطيين الذين تخلوا عن جور تقريبا ان قرارهم المتعلق بالقيام بهذا قد تأثر بوجود السيناتور جوزيف ليبرمان على اللائحة الديمقراطية وقد اقترع الكثير من الديمقراطيين المنتقلين لصالح نادر. ومن المهم كذلك ان نلاحظ انه بالنسبة لـ 96% من هؤلاء الامريكيين العرب في ما اقلقهم في ليبرمان كان موقفه من القضايا المختلفة وفي الوقت نفسه فإن 33% فقط من الامريكيين العرب الذين اقترعوا لنادر اشاروا الى ان خلفيته الامريكية العربية كانت بمثابة حافز لهم. 2ــ اهمية قضايا الشرق الاوسط لان هذه الانتخابات اجريت في اطار خلفية من تصاعد العنف الاسرائيلي ضد الفلسطينيين فإن الصدمة التي احدثها ذلك الصراع قد اثرت فيما يبدو على اصوات عدد من الامريكيين العرب. وعندما طلب من الامريكيين العرب ترتيب عدد من القضايا مثل حقوق الفلسطينيين وسيادة لبنان والقدس في درجات تبدأ من مهمة للغاية الى لا اهمية لها فقد بادروا الى تصنيفها على النحو نفسه الذي فعلوه في استطلاعات الرأي السابقة. وبينما اظهر الامريكيون العرب المهاجرون حديثا زخما اكبر في اهتمامهم بهذه القضايا فإن عمق اهتمام الجيل الاول والثاني والثالث من الامريكيين العرب هو عمق كبير ومتزايد. ومن المؤشرات الى التغيير في مواقف الامريكيين العرب الذي احدثه الاضطراب الراهن في فلسطين التراجع الكبير في دعم جهود السلام التي تبذلها ادارة كلينتون, ففي استطلاع للرأي اجري في يناير 2000 على سبيل المثال قال 47% ان السياسة الامريكية حيال الشرق الاوسط متوازنة بينما قال 36 في المئة انها ليست كذلك وفي استطلاع تلفزيون ابوظبي ــ معهد زغبي الدولي من ناحية اخرى قال 35.5% فقط ان السياسة الامريكية في الشرق الاوسط متوازنة بينما قالت نسبة اكبر بشكل ملحوظ هي 60.5% انها ليست كذلك. كذلك حدث انخفاض مماثل في ثقة الامريكيين العرب حيال معالجة ادارة كلينتون للصراع في الشرق الاوسط, ففي استطلاع يناير عام 2000 على سبيل المثال اعرب 68% عن تأييدهم لمعالجة الادارة الامريكية بينما حجب 24 % هذا التأييد غير انه في استطلاع نوفمبر الماضي انخفضت الثقة في معالجة ادارة كلينتون للصراع في الشرق الاوسط بشدة لتصل الى اعراب 45.5% عن الرضى عن هذه المعالجة وابداء 42.5% عدم رضاهم عنها. ومن الجدير بالملاحظة ان 80% ممن اعربوا عن عدم رضاهم عن معالجة الادارة الامريكية للصراع في الشرق الاوسط قد اقترعوا اما لبوش او لنادر ومن المهم كذلك ان نلاحظ ان الناخبين الامريكيين العرب ايدوا نادر كانوا هم الذين ابدوا اقصى اهتمام بالشرق الاوسط. وفي حقيقة الامر فإنه بينما اعرب الكثير من المقترعين لجور وبوش كذلك عن اهتمامهم بقضايا الشرق الاوسط فإن عددا كبيرا من ناخبي نادر قد فعلوا كذلك. وكمتوسط عام فقد كان 90% من ناخبي نادر مؤيدين اقوياء لحقوق الفلسطينيين ولسيادة لبنان وللقدس بينما دارت نسبة ناخبي بوش حول 80% وناخبي جور حول 75% وقال 76% ممن اقترعوا لنادر ان قضية الشرق الاوسط هي اهم القضايا في حسم اقتراعهم وذلك بالمقارنة مع 46% المئة من مؤيدي جور و54% من مؤيدي بوش. ويبدو وأن الامريكيين العرب الذين ايدوا نادر هم ابعد ما يكونون عن الانتماء لجماعات الخضر البيئية وانهم قد ايدوه كنوع من الاحتجاج. وهؤلاء الناخبون يقترعون تقليديا للديمقراطيين او للجمهوريين ولكنهم احسوا بقوة بالسخط حيال مقدرة اي من جور او بوش على ان يعكس وجهات نظرهم فيها يتلعق بالشرق الاوسط. ومن الواضح ان هذا قد ألحق الضرر بشدة بجور بصفة خاصة حيث ان اكثر من 10% من الديمقراطيين الامريكيين العرب قد صوتوا لنادر. وجانب يعتد به من نسبة 30.5% من المستقلين التقدميين الذين ايدوا نادر ربما يكونون قد ايدوا الديمقراطيين على نحو ما فعلوا في عام 1996. 3ــ مساهمة الامريكيين العرب لم يتضمن هذا الاستطلاع للرأي قياس اقبال الامريكيين العرب على الاقتراع ولكن الادلة المتوافرة والتغطية الاعلامية تؤكد ان هذا العام كان عاما عظيما بالنسبة للمشاركة الامريكية العربية وقد قام كل من المرشحين الديمقراطي والجمهوري للسباق الانتخابي بجهد كبير لمخاطبة الجالية. وادى هذا كله الى تغطية اعلامية مكثفة على امتداد حملة عام 2000, وكانت الجالية محور الاهتمام الاعلامي هذا العام بما في ذلك تقرير صدر في 7 نوفمبر عن وكالة أسوشيتدبريس بعنوان (المتطلعون للرئاسة يخطبون ود الامريكيين العرب) وكذلك ايضا ما نشرته نيوز ويك في اكتوبر الماضي بعنوان (صراع جديد على الناخبين العرب), وما نشرته الايكونوميست بعنوان: (ولادة لعربي امريكي عربي). غير ان ما قاسه الاستطلاع هو شكلان من اشكال المشاركة من جانب الامريكيين العرب وبصفة خاصة تقديم التبرعات للمرشحين حيث قال 31.5% ممن جرى استطلاع رأيهم انهم فعلوا ذلك والتطوع للمساهمة في الحملة السياسية حيث قال 23% انهم فعلوا ذلك وهاتان النسبتان كلاهما اعلى من انتخابات 1996 . 4ــ خاتمة قدمت نتائج استطلاع الرأي تفاصيل مهمة حول الجالية الامريكية العملية السياسية الامريكية وتمتع بولاءات حزبية قوية. وفي الوقت نفسه اوضح استطلاع الرأي ان الامريكيين العرب لهم اراء قوية فيما يتعلق بالشرق الاوسط اسفرت هذا العام عن انتقال في تفضيلات الاقتراع بالنسبة لما يزيد على 25% من اجمالي الجالية. هذان العاملان كلاهما اي المساهمة الحزبية النشطة وانتقال الناخبين يعتبران عاملين مهمين بالنسبة لتقوية الجالية الامريكية العربية فالمشاركة النشطة تتيح للجالية ان تضرب جذورها بقوة في العملية السياسية وتعزز الاستمرارية والقيادة وامكانية الوصول الى العناصر النافذة والناخبون المنتقلون يعتبرون كذلك رصيدا بالايجاب حيث انهم يؤدون الى خلق جو من المنافسة على اصوات الامريكيين العرب. وهناك من لا يتفهمون ولا يقدرون تعقيد الجالية الامريكية العربية في مجملها. وما يقدمه لنا هذا الاستطلاع الآخير للرأي ليس الا صورة لجالية متنوعة تقوم على اساس عرقي تشكل اجماعا حول القضايا المهمة التي تعنيها. والامريكيون العرب قادمون الى امريكا من بلاد عديدة ويعتنقون الكثير من الاديان وهم ينتمون الى عدة اجيال ومع ذلك فإنهم يظهرون الى حد كبير متفقين على العديد من المسائل المهمة وينظرون الى انفسهم باعتبارهم جالية قائمة بذاتها. والامر الاكثر اهمية هو انه قي غمار عملية قياس نتائج هذا الاستطلاع مقارنة بالاستطلاعات السابقة فإننا نجد ان كثافة الاهتمام بالقضايا وعمق مشاعر الانتماء الى الجالية العربية يتزايد في حقيقة الامر في صفوف ابناء الجيل الذي ولد في الولايات المتحدة في اطار الجالية الامريكية العربية. ومن المهم ان نضع في الذهن كل هذا بينما الامريكيون العرب يخططون بصورة واقعية لعملهم السياسي المستقبلي والهدف المهم هو الاستمرار في تشكيل قوة اجماع فيما يتعلق بالقضايا ذات الاهمية وعدم محاولة فرض اتفاق على المرشحين. فالجهود المصطنعة لتشكيل كتلة اصوات هي جهود مدمرة وغير واقعية وساذجة. وفضلا عن ذلك فإن من المهم ان تواصل الجالية الامريكية العربية مقاومة الجهود التي تبذل لتفرقة صفوفها على اساس البلد الاصل او الدين. وعلى نحو ما اوضحت انتخابات عام 2000 فإن الامريكيين العرب يمضون على الطريق الصحيح للتحول الى قوة سياسية والتقدم الذي تم احرازه خلال السنوات العشرين الماضية كان تقدما ملحوظا وهناك اساس قوي في داخل الجالية وفي اطار العملية السياسية يمكن للاجيال القادمة ان تواصل البناء عليه. رئيس المعهد الامريكي العربي