قبل شهر رمضان واثناءه وبعده تتقاذفنا الفضائيات العربية بطوفان من المسابقات المعلوماتية والتي تجعل المتسابق والمشاهد في حالة لهاث دائم للفوز بالجوائز النقدية والعينية عالية القيمة, الامر الذي جعلني شخصياً اشعر بأنني سيد الخاسرين مع انتهاء كل حلقة من هذه المسابقات, ومنعاً لذلك الاحساس قررت ألا اشاهد أياً من هذه المسابقات لئلا اصاب بعقدة (الفقير صاحب الحظ السيئ) حينها فقط احسست انني تحررت قليلاً من اغراء الكسب السهل الممتنع. أما وقد خرجت بكثير من الخسائر المادية باعتبار انه لم يحالفني الحظ ولم اصبح مليونيراً والقليل من الأعطاب النفسية وذلك بالافلات من قبضة هذه المسابقات الاستهلاكية المحمومة, فقد ادركت حجم الضرر الذي تصيب به هذه الفضائيات الانماط التفكيرية للأجيال العربية القادمة, حيث ان ثمة فرقاً كبيراً ما بين المعلومة المجردة والتي كثيراً ما يُخطئ بها مقدم البرنامج نفسه خصوصاً بلفظ الاسماء والامكنة الواردة في المسابقة, وبين المعلومة ذات البعد التفكيري الثقافي. وأستدل بذلك على ثلاثة أمثلة من الأسئلة: الأول: ما اسم المعركة التي هزم بها نابليون بونابرت؟ الثاني: كيف كانت نهاية نابليون؟ الثالث: لو كنت مكان نابليون كيف يمكن ان تتلافى الهزيمة؟ وبهذه المستويات المتفاوتة لهذه الأسئلة يمكن القول بأن الاجابة الاولى تستدعي المعلومة المجردة, والثانية تستدعي التفكير وأما الثالثة تستدعي الابداع. والحقيقة ان البرامج الثقافية العربية ما قبل عصر الفضائيات, كانت تعتمد هذا الاسلوب حيث ان معظم عناوينها كانت تحمل معاني التفكير مثل (فكر واربح) اما في يومنا هذا قفزت بعض الفضائيات لتمنح المتسابق الربح الاكيد مثل (اشترك واربح) أو (اربح المليون). فهل يا ترى سيربح الملايين من البشر كل المليون من النقود؟ واخيراً نضرب مثالاً صارخاً على خداع المعلومة المجردة وغياب التفكير: سأل احدهم التلميذ حول أين تقع فرنسا, فأجابه في الصفحة 35 من أطلس الجغرافيا, فأعطاه جائزة ترضية ولم يعطه الجواب الصحيح.