ما الذي يحدث عندما تمتد يد أحدنا إلى ألبوم صور قديم ثم يبدأ في تقليب صفحاته برويّة؟ إنه الصمت يخيم على المكان فيصبح من الكلام أبلغ وإلى الصخب أقرب. لا شك أنها تجربة أو حالة مررنا بها جميعاً, وربما تكررت كثيراً بكامل إرادتنا حيناً وبمحض الصدفة أحيانا. ساعتها وتبعا للحالة النفسية التي دفعتنا الى ذلك تنتابنا مشاعر يفرضها التأمل المغلف بالحزن المتوشح بآمال الفرح الآتي المرتقب. إنها الصورة.. تلك اللقطة الصامتة الناطقة الساكنة المتحركة المكثفة للحدث والزمان والمكان. عرف الانسان أهميتها قبل أن يفكر في اختراع آلة التصوير, فكانت تلك النقوش التي خلّدت بها الامم حضاراتها على أحجار البيوت والمعابد والمقابر, وخلّفتها بعد أن رحلت شواهد على ثراء التجربة الانسانية وعبقرية الانسان, هذا المخلوق العجيب القادر على نشر الحب والسلام والنماء إذا امتلأت نفسه بالخير, والعامل على خراب الكون إذا طغت على روحه نوازع الشر والطمع والجشع. ولولا الصور التي تركتها لنا أمم كقدماء المصريين والأغريق والرومان على جدران المعابد والقصور والقبور على شكل تراث فني خالد لما تكونت لدينا الصورة الكاملة التي نعرفها اليوم عن حضارات تلك الأمم واسهاماتها في الحضارة الانسانية. كما ساهم سحر الصورة وأهميتها في تخليد رسامين عظام من مختلف العصور, فلمعت أسماء أوشيلو وليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو وروفاييل ورمبرانت وجويا وبوسان وترنر وجوجان وفان جوخ وبيكاسو ودالي, وتلك السلسلة الطويلة من مشاهير الرسامين الذين عبروا عن الحياة بكل أشكالها الجميلة والقبيحة.. حباً وكراهية.. سلاماً وحرباً.. طبيعة وخيالاً جامحاً وواقعاً ملموساً, وتكونت على أيديهم مدارس فنية أغنت التراث الانساني بروائعها الخالدة. أما التصوير الضوئي أو الفوتوغرافي فقد أسهمت أسماء كثيرة في نشأته وتطوره ليصل الى ما وصل اليه من تطور حتى استطاع ان يتخلص من الاشرطة او الافلام ويدخل عالم الاسطوانات المدمجة والتقنية الرقمية.. ومع ذلك فإن فريقاً من كبار المصورين العالميين مازال متمسكاً بالفيلم أو الشريط الضوئي والعدسات التقليدية بمرشحاتها المختلفة, رافضاً تدخل التقنية في اختيار الزوايا وتحديد الأبعاد وتكوين جماليات الصورة, لا يجد متعته إلا بين أحواض الاحماض في غرف التحميض المظلمة ورؤية معالم الصورة تتكون على ذلك الورق الحساس شيئاً فشيئاً, معتبراً ما تقوم به الكاميرات الرقمية الحديثة ذات الذاكرة المسجلة على الاسطوانات المدمجة إلغاء لموهبة الانسان وإبداعه وتذوقه ودوره في توصيل الإحساس بجماليات الصورة وتكويناتها والرسالة التي تحملها للناظر إليها. (ويليام فولي) المصور الأمريكي الحائز على جائزة بوليتزر واحد من هؤلاء المصورين الذين ينتمون لمدرسة في فن التصوير الفوتوغرافي مازالت تتمسك بالكاميرا التقليدية وعدساتها المتنوعة والفيلم الضوئي ومعمل التحميض الذي يقضي فيه الجزء الأكبر من وقته منقطعاً عن العالم الخارجي ملقياً بكل وسائل الاتصال على عتبة بابه قبل الدخول إليه. يستغرب (بيل) ــ كما يفضل ان نناديه ــ بالمناسبة علاقتنا الحميمة بهواتفنا النقالة ومرافقتها لنا في كل مكان حتى في قاعة المحاضرات التي كان ينقل فيها خبرته الى متدربي دورة التصوير الفوتوغرافي. ما لم استطع ان اضيفه الى معلومات (بيل) أن هذه الهواتف أصبحت تدخل معنا المساجد فتراها معروضة أمام المصلين أو تسمع نغماتها المختلفة تتردد في جيوبهم أثناء الصلاة التي يفترض أن ينقطع فيها المرء عن كل شيء ويتفرغ خلالها لمناجاة خالقه! ويليام فولي المتمسك بالكاميرا التقليدية اكتسب خبرته من خلال التنقل بين مواقع الأحداث التي نقلته إلى 47 دولة كان للشرق الأوسط منها نصيب وافر, حيث كلفته وكالة أنباء (اسوشيتدبرس) بمهمة خاصة في لبنان حملت اسم (لبنان الآن) قام خلالها بتوثيق التحولات التي حدثت في لبنان في العقد الأخير بالصور, كما غطى لمجلة (تايم) الامريكية الحرب العراقية الايرانية وعملية درع الصحراء والانتفاضة الفلسطينية الاولى في غزة والضفة الغربية والانتخابات في هاييتي. وغطى للاسوشيتدبرس مفاوضات كامب ديفيد واغتيال أنور السادات والغزو الاسرائيلي للبنان وقصف السفارة الامريكية وثكنات المارينز ومذابح صبرا وشاتيلا التي نال عنها جائزة بوليتزر عن التصوير في مواقع الأحداث بالاضافة الى جوائز أخرى عديدة. يتحدث ويليام فولي كأي عاشق لمهنته عن قيمة الصورة وأهميتها ودورها في التأثير على الناس والرأي العام, ويستشهد كثيراً بتلك الصورة الشهيرة التي نشرتها الصحف العالمية وتناقلتها مختلف وسائل الاعلام أثناء الحرب الفيتنامية لطفلة عارية أصابتها شظايا قنابل النابالم تركض باكية هاربة من قريتها الفيتنامية المنكوبة. حدث ذلك في الثامن من يونيو عام 1972 عندما ذهبت الطفلة (كيم فوك) ذات السنوات التسع من قرية (ترانج بانج) شمال فيتنام مع اخوتها الستة وأهلها ليختبئوا في مكان آمن أو هذا ما اعتقدوه حيث كانت معهم عائلات لجنود من الفيتناميين الجنوبيين (حلفاء أمريكا), لكن الطائرات الأمريكية جاءت لتقصف المنطقة وخرجوا إلى الطريق هاربين. تقول (كيم فوك) التي تبلغ الآن السابعة والثلاثين من العمر: (كل ما أذكره أنني كنت أركض مذعورة أبكي بسبب الحرارة الشديدة التي كانت تؤذيني وتلتصق بجلدي بعد أن أحرقت ملابسي. وتصادف وجود المصور الفيتنامي (نك ادت) الذي كان يتعاون مع وكالة اسوشيتدبرس, والتقط صورة لي ولاخوتي في تلك اللحظة). وتضيف الطفلة الفيتنامية التي أثّرت صورتها في العالم كله آنذاك, واصبحت نموذجا يدرس في كليات الصحافة وعلوم الاتصال: (لقد رآها العالم كله دون أن أعرف أنا بها, إذ شاهدت الصورة فيما بعد, ولم ادرك تأثيرها في الرأي العام إلا وأنا كبيرة). وكما حركت هذه الصورة ضمير العالم وهزته فقد غيّرت مجرى حياة الطفلة كيم فوك التي كانت ترغب في أن تصبح طبيبة, حيث نصحها المسئولون هناك بقطع دراسة الطب التي كانت قد انتظمت فيها بجامعة (هوشي منّه) والعمل في الحقل الإعلامي باعتبارها صاحبة الصورة الشهيرة, إذ كان عشرات الصحفيين يأتون إلى فيتنام طالبين الالتقاء بها حيث كانت ــ كما تقول ــ تمضي من الوقت معهم أكثر مما تمضيه في قاعات الدراسة. تقيم كيم فوك الآن في كندا وتنشط في مجال الدفاع عن الطفولة وخصوصاً تخفيف آلام الأطفال المصابين بالحروق الكبرى. وقد اختارتها (اليونيسكو) سفيرة لها للنيات الطيبة, وتكرس جهودها لخدمة وترويج ثقافة السلام, ولها مؤسسة في تورنتو تحمل اسمها حيث تقوم بجولات في المدارس ومعسكرات الأطفال تحكي قصتها ليعرف الجميع معنى معاناة الاطفال في زمن الحروب. صورة الطفلة الفيتنامية كيم فوك التي دخلت التاريخ تقف الى جانبها اليوم صورة الطفل الفلسطيني الشهيد محمد الدرّة لتؤكدا لنا حجم التأثير الذي يمكن ان تحدثه الصورة في ضمير العالم ووجدانه وإلى جانب نك ادت والمصورين الكبار الذين سيحفظ التاريخ أسماءهم كتب المصور الفلسطيني طلال أبو رحمة اسمه في سجل المصورين الخالدين رغم انه كان يحمل كاميرا تلفزيونية, ليس فقط لأن الفرصة قد واتته كي يتواجد في الزمان والمكان المناسبين, وإنما لما تحلّى به من شجاعة وحرفية جعلته يواجه النيران المنهمرة من جنود الاحتلال الاسرائيلي على الموقع, ولما امتلكه من حس وطني وصحفي كي يسجل الحدث الذي يتكرر كل يوم على الأرض الفلسطينية دون أن نراه بهذه البشاعة وتلك البراعة. هكذا تفرض الصورة نفسها بطلة للموقف في كل مناسبة حتى وإن كانت مأساوية.