اذا اجبرت على قضاء ثلاث سنوات او اكثر في سجن رهن الاعتقال التحفظي دون ان تقدم الى محاكمة او حتى دون توجيه اتهام محدد اليك فما الفرق بين ان يكون امر اعتقالك صادرا عن ديكتاتور مطلق السلطة او جهاز شرطة في دولة ديمقراطية من المفترض ان يسود فيها حكم القانون؟ طالما انت معتقل على هذا النحو يبقى اعتقالك ظالما. هذا ما جرى لرجل عربي يقيم في الولايات المتحدة. لقد اعتقل الفلسطيني مازن النجار في عام 1997.. ويبقى حتى اليوم رهن الاعتقال بينما محاميه يسأل طوال هذه السنوات الثلاث لماذا يحتجز موكله دون ان يلقى اية اجابة رسمية قانونية. امر الاعتقال صدر عن مسئولي ادارة الهجرة بعد ان اكتشفوا ان اذن اقامة النجار لم يعد ساري المفعول. والاجراء القانوني المتبع في هذه الحالة هو فرض غرامة ثم تجديد الاقامة او ابعاد الشخص المخالف. لكن هذا الاجراء لم يتبع في حالة مازن النجار الذي يعمل استاذا جامعيا في فلوريدا فقد احتجز دون ان يقدم الى محكمة.. وظل مسئولو الهجرة يستصدرون من وقت لآخر امرا قضائيا بتجديد اعتقاله. لماذا؟ مسئولو الهجرة يشتبهون ـ مجرد اشتباه ــ ان النجار ينتمي الى منظمة (الجهاد الاسلامي) الفلسطينية ــ التي تصنف وفقا للقانون الامريكي كمنظمة ارهابية ــ وانه يحول اليها مساهمات مالية. اذن لماذا لا يقدم الى محاكمة على اساس تهمة من هذا القبيل؟ لأن مسئولي الهجرة اذ يشتبهون فانهم لا يملكون دليلا بالمعنى القانوني يمكن ان تقبله اي محكمة.. انه مجرد ظن.. او ربما وشاية.. او انطباع. ولكن لماذا يوافق القاضي على تجديد اعتقال هذا العربي من وقت لآخر بينما ليست هناك تهمة رسمية موجهة اليه تبرر الاعتقال اصلا من وجهة النظر القانونية. هنا نأتي الى بيت القصيد كما يقولون فهذا الاستاذ الجامعي العربي معتقل على اساس قانون امريكي غريب يطلق عليه (قانون الادلة السرية) بموجب هذا القانون تستطيع سلطات الشرطة او الهجرة الامريكية الحصول على امر الاعتقال من القاضي بحق اي شخص بناء على مذكرة تنسج فيها قصة مكونة من شائعات سماعية او تلفيقات او مجرد شطحات خيالية يستحيل ان تصمد امام اي استجواب قانوني. لكن القاضي ملزم بقبولها بموجب قانون (الادلة السرية). ففي هذه الحالة يكفي ان تقول الشرطة او سلطات الهجرة للقاضي انه لا يجوز ــ كما ينص ذلك القانون ــ اطلاع المشتبه به او محاميه على (الادلة) لانها (سرية).. ولأن افشاءها (قد يضر بمصلحة الامن القومي). وهكذا يبقى مازن النجار في المعتقل الى اجل غير مسمى فسلطات الهجرة فشلت طوال سنوات اعتقاله الثلاث حتى الآن في العثور على ادلة حقيقية يمكن على اساسها توجيه اتهام محدد الى المشتبه به وبالتالي تقديمه الى المحاكمة. ومن ناحية اخرى لا يمكن اطلاق سراحه (خوفا على الامن القومي). لماذا اروي هذه القصة؟ ان حالة مازن النجار ليست متفردة. فهناك حالات مماثلة تعد بالعشرات لأشخاص عرب او امريكيين من اصل عربي من ضحايا قانون (الادلة السرية) الذي يبدو وكأنه موجه ضد العرب والمسلمين تحديدا. وربما يكون في الطريق اشخاص آخرون تسعى السلطات الامريكية لترحيلهم الى داخل الولايات المتحدة لايداعهم السجون دون محاكمة لانه (يشتبه) انهم متورطون في اعمال ارهابية. وهذه هي (سيادة القانون) في دولة عظمى.