باستقالته المفاجئة, تصرف ايهود باراك, رئيس الوزراء الاسرائيلي, كما يفعل السحرة والحواج عندما يفاجئون جمهور المتفرجين بألعابهم السحرية, يخرجونها تارة من قبعاتهم, وأخرى من اكمامهم, وثالثة من جرابهم (الكيس) الذي يخفون فيه (عدة) الشغل. او كلاعبي الاكروبات الذين يسيرون على الحبال ممسكين عصا التوازن من منتصفها حتى لا يسقطوا على الارض فتدق اعناقهم. لم يعرف عن باراك انه يتمتع بخفة اليد التي تتطلبها مهنة الحواة. فهو صاحب يد غليظة اعتادت القتل والاغتيال وتكسير العظام ــ الا اذا كانت براعته وبراعة جنوده في اطلاق الرصاص على الفلسطينيين, وسرقة اراضيهم وأحلام اطفالهم دليلا على خفة اليد ــ كما ان خفة حركته لم تجرب الا في سرعة تنقله وتقلبه من جنرال الى مدعي سلام, او العكس. وهذا النوع من خفة الحركة لا يؤهله لان يكون لاعب اكروبات ناجح, بقدر ما يعكس خفة وزنه السياسي, وضعف قدراته القيادية. ومع ذلك قرر باراك ان ينسب نفسه لأصحاب هذه المهنة ويخوض تجربتهم, ففاجأ الجميع باستقالته من رئاسة الحكومة في وقت كانت الاحزاب والرأي العام الاسرائيلي يهيىء نفسه لانتخابات عامة تجري في الربيع المقبل. وهذه اللعبة التي اقدم عليها باراك, ربما لم تكن تخطر على بال الكثيرين من خصومه السياسيين, بمن فيهم خصومه داخل حزب العمل الاسرائيلي نفسه. بل ربما كانت اغلبية الرأي العام الاسرائيلي تجهل وجود مثل هذه المادة في قانون الانتخاب المتعلق برئيس الحكومة. لكن باراك الذي كانت فترة حكمه القصيرة سلسلة من الفشل المتكرر, من فشله في التوصل الى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين, الى تردي الحالة الامنية في اسرائيل, واشتعال الانتفاضة بأعلى درجاتها وتنامي التناقضات داخل حكومته, واستقالة الكثير من اعضائها, وانفراط عقد التحالف الحزبي الذي يحكم به, وفشله في تشكيل حكومة وحدة وطنية, ووصول الخلافات الى صفوف حزبه, وعدم تحقيق انجازات اقتصادية تحسب له. وكل ذلك يندرج تحت بند الخسائر في رصيده السياسي وهبط بمكانته القيادية الى الحد الادنى في استطلاعات الرأي مقارنة بخصومه السياسيين. فلم يبق امامه, لانقاذ مستقبله السياسي غير الاقدام على خطوته الدراماتيكية غير المسبوقة, والاقرب الى المغامرة. معتقدا انه: اولا: يقطع الطريق على المعارضة اليسارية له المتزايدة داخل حزبه, والتي قد يصبح في مقدورها الاطاحة به من رئاسة الحزب فيما لو اتيح لها الوقت الممتد حتى اجراء الانتخابات البرلمانية في مايو المقبل. وثانيا: يقطع الطريق على المنافس الذي ترشحه استطلاعات الرأي للفوز عليه ــ بنيامين نتانياهو ــ نظرا لافتقاد المنافس لعضوية الكنيست التي تؤهله لخوض انتخابات رئاسة الحكومة. وثالثا: يكون بهذه الخطوة قد اختار بنفسه خصمه الذي يخوض الانتخابات في مواجهته ــ ارييل شارون ــ وهو خصم ينفر منه الناخبون, ولا يتقبله الرأي العام الدولي واجهة لاسرائيل لأنه يحرج اصدقاءها في العالم. ورابعا: يداعب الانتهازية السياسية لأعضاء الكنيست من مختلف الاحزاب حين يجنبهم خوض انتخابات مبكرة قد تطيح بالعديد منهم. وسواء نجح باراك في تمرير لعبته باستبعاد خصمه اللدود, بنيامين نتانياهو, من المنافسة او نجح هذا الاخير في استقطاب العدد الكافي من اعضاء الكنيست للتصويت على الغاء المادة القانونية التي تحرمه حق الترشيح, فإن قفزته الاكروباتية تظل محفوفة بمخاطر السقوط. ومن المفارقات العجيبة ان مصير باراك, السياسي, وعودته لرئاسة الحكومة سيكون, بأيدي اعدائه العرب, وليس خصومه الاسرائيليين. فهو سيراهن على امكانية التوصل الى اتفاق سلام مع اعدائه الفلسطينيين يستطيع ان يقدمه لناخبيه الاسرائيليين, كانجاز وحيد لمسيرته السياسية. وسيحاول ومعه اصدقاؤه من احزاب الاشتراكية الدولية التي تحكم معظم دول اوروبا اليوم, والادارة الامريكية ايا كان لونها وكذلك بعض الدول العربية الضغط على الجانب الفلسطيني لتسهيل مهمة باراك في التوصل الى اتفاق سلام, مستخدمين لغة المفاضلة مع اليمين الاسرائيلي والتخويف منه في حالة وصوله الى الحكم مجددا. كما سيواجه العرب الفلسطينيون من مواطني دولة اسرائيل, وهم الذين يشكلون خمس الناخبين, ضغوطا معنوية ونفسية حين يجدون انفسهم مضطرين للاختيار بين امرين احدهما مر. فهم من جهة لا يستطيعون انتخاب ممثل اليمين الاسرائيلي العنصري. ومن جهة اخرى لا ينسون ان تجربتهم مع حكومات حزب العمل المتعاقبة منذ ديفيد بن جوريون حتى اليوم كانت تجربة مريرة لقوا فيها كل انواع الاضطهاد والتفرقة والتمييز العنصري, وكان آخرها عشرات الشهداء والجرحى الذين سقطوا في الجليل والمثلث والنقب لمجرد انهم تظاهروا تضامنا مع اشقائهم في الضفة وغزة. وقد تكون هذه المفارقة فرصة للانتقام من باراك على كل جرائمه بحق الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة, كما في الجليل والمثلث والنقب. وقد تكون ايضا فرصة لابتزازه. وهنا يعتمد الامر على قدرة القيادة الفلسطينية, والشعب الفلسطيني على الصمود, اولا في وجه الاحتلال بالاستمرار في مقاومته والتصدي لاعتداءائه. وثانيا: في وجه الضغوط التي قد تمارس عليها, لتزيين الوجه القبيح لباراك وحزب العمل, مقارنة مع الوجوه القبيحة ايضا لأي من نتانياهو او شارون. انها فرصة للمقاومة, والمساومة ايضا, لانتزاع الحقوق الفلسطينية والاستقلال الفلسطيني. وإذا كانت الانتخابات الاسرائيلية تمثل للناخب الاسرائيلي معركة على الحكم, فبإمكان الجانب الفلسطيني ان يحولها الى معركة لانتزاع حقوقه واستقلاله. فطالما كان الناخب الفلسطيني في اسرائيل هو الصوت المرجح المقرر بالنسبة لأي من المرشحين وخاصة باراك الذي لا يمكن نجاحه بدون الاصوات العربية, فبإمكانه ان يبتزه للحصول على اكبر قدر من المساواة وحقوقه القومية المنتهكة في الدولة العبرية. سواء كانت حقوقا ثقافية او تربوية او تنموية, او استعادة اراضيه المصادرة, وإعادة المهجرين الى قراهم, او الغاء القوانين العنصرية التي تعتبر اسرائيل دولة لليهود فقط. وبإمكانهم ــ كما فعلوا في الانتفاضة ــ ان يجعلوا من تسليم باراك بالحقوق السياسية لشعبهم الفلسطيني في الضفة وغزة والشتات, شرطا مسبقا لمنحه اصواتهم في الانتخابات. واما القيادة الفلسطينية فهذه فرصتها لان تثابر على صمودها وتمسكها بثوابتها الوطنية. فطالما كان نجاح باراك مرهونا بالتوصل معها الى اتفاقات سياسية فعليها الا تمنحه بطاقة المرور الى رئاسة الحكومة الا في حال تسديده عن ذلك والثمن ليس اقل من رحيل جيش الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنين من الاراضي الفلسطينية المحتلة, واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة, والاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة. وليس من حق القيادة الفلسطينية ان تفرط في هذه الورقة التي يراهن عليها باراك مهما كانت النصائح التي ستتلقاها او الضغوط التي ستتعرض لها من مصار عربية او اجنبية. واذا احسنت القيادة الفلسطينية لعب اوراقها واستثمرت جيدا تأثيرها على الناخب العربي في اسرائيل فإنها ستجعل من نفسها, وهي الخصم الحكم في معركة الانتخابات الاسرائيلية. كاتب فلسطيني