إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية حالة صهيونية خاصة, فإن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا التراجع في الموقف الأوروبي الذي كنا نطمع أن يكون تأييده لنضال الفلسطينيين العادل عامل توازن في مقابل الانحياز الأمريكي الكامل للعدو الصهيوني؟! مع اندلاع الانتفاضة كان الموقف الأوروبي بصفة عامة متفهما للمطالب العادلة للفلسطينيين, ومدركا لخطورة الأوضاع التي تنشأ من التعنت الاسرائيلي ومحاولة فرض الحل الاسرائيلي كاملا على الأطراف العربية, واستغلال اسرائيل لاختلال موازين القوى في المنطقة, والانجياز الأمريكي لها لتتهرب من التزاماتها وتفرض الأمر الواقع القائم على قوة الاحتلال. كانت أوروبا تدرك أن هذه الأوضاع تؤثر بشدة على مصالحها وتضرب محاولاتها للتواجد النشط في المنطقة, وإقامة روابط وثيقة مع السوق العربية.. المنتجة للبترول, والمستهلكة للسلع الأوروبية, والرابضة على تخومها الجنوبية بما يجعل استقرارها جزءا من استقرار أوروبا نفسها. ومع تصاعد الانتفاضة, وما أظهرته من وحشية الاسرائيليين, ومتابعة تلفزيونات العالم لهذه المواجهة بين أطفال الحجارة ودبابات اسرائيل وطائراتها.. ازداد تعاطف الرأي العام الأوروبي مع الشعب الفلسطيني, وكان اغتيال الطفل محمد الدرة علامة فارقة في فضح وحشية الاسرائيليين وممارساتهم البشعة, فقد دخلت عملية الاغتيال كل بيت عبر شاشات التلفزيون, وفرضت على ضمائر الجميع أن ينتبهوا.. فالنازية تعود, وضحايا هتلر يلبسون رداءه,ويتفوقون عليه في الوحشية وجنون القوة الذي فاق الحدود. لكن المفارقة جاءت بعد ذلك. فمع تصاعد القمع الاسرائيلي للشعب الفلسطيني, وسقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى, أخذ التعاطف الأوروبي مع الفلسطينيين يتناقص, والتأييد لموقفهم يتآكل, وصورة النازيين الجدد تتحسن, والعدوان الاسرائيلي يتحول الى (عنف متبادل), وحرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني تصبح مجرد أحداث مؤسفة ينبغي إيقافها ليعود الجميع الى مائدة المفاوضات ولاستئناف المهزلة التي بدأت في أوسلو ويراد لها أن تكتمل بتصفية كاملة للقضية الفلسطينية! كيف جرى هذا التحول؟ ومن الذي يتحمل مسئوليته؟ وكيف يمكن إيقاف هذا التآكل في الموقف الأوروبي بكل تداعياته السلبية على الأطراف العربية؟ بداية.. ينبغي الإقرار بأن الرهان على الموقف الأوروبي كان وما زال ضمن حدود ينبغي أخذها في الحسبان.. فأوروبا تعرف قدراتها وتدرك أنها مازالت بعيدة عن الاستقلال بموقفها عن الموقف الأمريكي.. فما بالك بالوقوف موقفا معاكسا لها كما يطمع البعض! وأوروبا تدرك أن الطريق ما زال طويلا أمام وصولها لوحدة الموقف بين دولها التي تتباين مواقفها من القضايا الخارجية في أكثر الأحيان. وأوروبا المشغولة بقضاياها ما زالت لا تريد التورط في نزاعات خارجية ليست مهيأة لها. والدول التي تريد أن تلعب أدوارا في قضايا العالم (مثل فرنسا) تعرف أنها يمكن أن تناوئ أمريكا ولكن بحدود, وتدرك أن تحركها ينبغي أن يتم في ضوء الإقرار في نهاية الأمر بهيمنة أمريكية ترفض الشراكة, وتصر على الانفراد بالدور الرئيسي في الشرق الأوسط وأنها الراعية الوحيدة لعملية السلام التي تشرف عليها حتى ولو كانت تعلن على الأشهاد انحيازها الكامل لاسرائيل. دول أوروبا تتحرك في هذا الإطار, وتدرك أن موقفها من قضايا العالم إذا اختلف عن الموقف الأمريكي فلاينبغي أن يذهب هذا الخلاف بعيدا, ثم وهذا هو الأهم انها تدرك أن الأطراف العربية (وفي مقدمتها الطرف الفلسطيني) ما زالت تضع الأمر كله في يد أمريكا, وتريد من الأطراف الأوروبية أن تكون مجرد عامل ضغط تلوح به لأمريكا وتتخلى عنه بإشارة من واشنطن تلزم الجميع بأدوارهم وفقا لسياساتها المقررة! ومع ذلك فقد كنا على الأقل نريد أن نحافظ على هامش الخلاف في المواقف الأوروبية الأمريكية من قضايانا, وأن نعمل على توسيعه واستغلاله لتعديل موازين القوى المختلة, وتصحيح موقف الأطراف العربية حين تجلس على مائدة المفاوضات.. فتجد نفسها في مواجهة تحالف أمريكي اسرائيلي يريد إملاء إرادته, كما حدث في كامب ديفيد الثانية وغيرها. وكانت الانتفاضة فرصة مناسبة لتحقيق ذلك.. فالعدو في حالة تلبس بالعدوان الوحشي على المدنيين, ومدافع دباباته تقف في مواجهة أطفال الحجارة. والظلم على الفلسطينيين فادح, والعدوان على القدس يمس مشاعر المسيحيين كما يمس مشاعر المسلمين, والاعلام ينقل الصورة كاملة الى كل بيت, ويجعل كل أسرة تضع نفسها في مكان أسرة محمد الدرة, وتتساءل عن مصير شعب يواجه عدوان النازية الصهيونية. لكن الأمور لم تسر في طريقها الصحيح, وبدلا من أن تتصاعد موجات التعاطف في أوروبا والعالم كله وتنعكس على مواقف الحكومات فتطالب بوقف العدوان والبحث عن الحل العادل.. تراجع التأييد وانحسرت موجات الدعم للشعب الفلسطيني والتنديد بالعدوان الاسرائيلي.. كيف حدث هذا.. ومن هو المسئول؟ بالطبع هناك الموقف الأمريكي الرسمي الذي لم يتخل عن انحيازه لاسرائيل, ولم يدخر جهدا في الضغط على الحكومات الأوروبية لتعديل مواقفها. هذا الموقف الأمريكي الذي حّمل قبل ذلك عرفات والفلسطينيين مسئولية فشل محادثات كامب ديفيد برفضهم للعروض السخية التي عرضها باراك, هو نفسه الموقف الذي حّمل الفلسطينيين مسئولية اندلاع (أعمال العنف) في الأرض المحتلة ولم يتحرك إلا بعد أن أدرك أن المصالح الأمريكية أصبحت في خطر (خاصة بعد انفجار المدمرة كول) وكان تحركه وما زال - لا يستهدف إلا اعادة الأطراف الى مائدة المفاوضات وإقناع الفلسطينيين بقبول ما رفضوه في كامب ديفيد.. باعتباره غاية المنى ونهاية الكرم الاسرائيلي. هذا الموقف الأمريكي وما صاحبه من ضغوط كان له بلاشك تأثيره على الكثير من الحكومات العربية فمنعها من الاستجابة لمطالب الشارع العربي الغاضب, وفعل نفس الشيء ونجح الى حد كبير مع الحكومات الاسلامية, فما بالك بتأثير هذا الموقف على الحكومات الأوروبية التي تدرك في النهاية أن أمريكا لن تسمح لأحد بأن يشاركها النفوذ في الشرق الأوسط وأنها مصممة على الانفراد بشئون المنطقة والتحكم في مستقبلها. هذا الموقف الأمريكي ترجم نفسه في ضغوط مستمرة على حكومات أوروبا, صاحبتها ضغوط أخرى من اللوبي الصهيوني في أمريكا وأوروبا معا بكل ما يملك من إمكانيات إعلامية ونفوذ مالي واقتصادي. ومن جانبها لم تدخر اسرائيل وسعا في استغلال كل هذه العوامل, وفي القيام بحملة سياسية واعلامية لتزييف الحقائق وممارسة الضغوط وحتى ابتزاز الآخرين من أجل تعديل المواقف. وكانت اسرائيل تدرك عمق الخسارة التي تعرضت لها بسبب (اضطرار) وسائل الاعلام العالمية الى نقل (بعض) الحقيقة الى المشاهد أو المستمع أو القارئ. ورغم إدراك إسرائيل بأن سيطرتها مازالت مستمرة على الرأي العام العالمي إلا أنها كانت تدرك قيمة التحولات التي تحدث, وخطورة أن تترك الحقيقة تجد طريقها للمواطن في أوروبا وأمريكا, ولذلك بدأت حملة المواجهة التي جندت لها كل كفاءاتها السياسية والاعلامية, وكل نفوذها في دوائر المال والاقتصاد والاعلام. ومع أن استطلاعا للرأي نظمته محطة الـ (سي.إن.إن ) الأمريكية بعد حادث قتل الطفل محمد الدرة أظهر أن 41 % من الأمريكيين يؤيدون إسرائيل في مقابل 11% مع الفلسطينيين, فإن إسرائيل لم توقف حملتها للتأثير في الرأي العام العالمي, ولم تتوان عن توجيه الاتهام لوسائل الاعلام العالمية بـ ( الانحياز) للفلسطينيين, واحتجت وزارة الخارجية الإسرائيلية على محطة الـ ( سي.إن.إن) باعتبار أنها تقدم تغطية غير موضوعية وغير نزيهة(!!) وذهب شيمون بيريز إلى لندن لكي يقابل المسئولين في هيئة الإذاعة والتليفزيون البريطانية ويبلغهم استياء إسرائيل من ( انحيازا !!) الاعلام البريطاني ضد إسرائيل. وبالطبع كانت إسرائيل تدرك كذب إدعاءاتها, وتعرف أن الاعلام الأوروبي والأمريكي منحاز لها, وأنه لا ينقل إلا جزءا يسيرا من جرائمها ولا يفضح إلا اليسير من ممارساتها, ومع ذلك فقد كان لابد لها أن تمارس هذا ( الابتزاز ) لكي تظل قبضتها كاملة على هذا الاعلام, ولكي تعيده كما كان بحيث لا ينقل إلا وجهة النظر الإسرائيلية ولا يقترب من أي انتقاد لسلوكها أو فضح لجرائمها, وإلا كانت تهمة العداء للسامية جاهزة على الفور. ومع هذا الابتزاز والضغط على وسائل الاعلام العالمية, كان الجانب الآخر من عملية التزييف تتم من داخل الأرض المحتلة.. فبعد درس عملية قتل محمد الدرة وما أحدثه تسجيل العملية بالكاميرا ووصولها للمشاهدين في كل العالم, بدأت إسرائيل العمل لمنع تكرار الفضيحة. وهكذا بدأت حملة لمطاردة وسائل الاعلام العالمية ومنعها من تسجيل ما يجري على الأرض, وسحبت تراخيص العرب الذين يعملون مع وسائل الاعلام العالمية, واستعادت نصيحة كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أثناء الانتفاضة الأولى بمنع أخبار الانتفاضة من أن تتصدر نشرات الاخبار في تلفزيونات العالم بكل الوسائل, وعارضت بشدة أن تكون هناك لجان دولية لتقصي الحقائق حتى لا تفضح جرائمها. وها هي اللجنة الأخيرة التي شكلها الرئيس الأمريكي بناء على اتفاقات شرم الشيخ تتحول إلى (شاهد ماشافش حاجة ) ويطلب منها أن تكون زيارتها للأرض المحتلة من أجل تبادل التحية مع الطرفين ثم الانتظار بمكاتبها في أمريكا والاعتماد على المراسلات في معرفة ما تريد ! ونجح هذا الجهد الإسرائيلي الهائل في تزييف الحقائق وارهاب وسائل الاعلام العالمية, وفي تقديم صورة مشوهة لنضال الشعب الفلسطيني, وترويج أن الآباء والأمهات الفلسطينيين يرتكبون جريمة بدفع أطفالهم للموت والاختباء وراءهم, وإجبار الجنود الإسرائيليين المسالمين لقتل الأطفال دفاعا عن النفس في مواجهة عدوانهم الوحشي ! وفي مواجهة ذلك كانت الخيبة العربية قوية, والعجز عن التعامل مع حقائق الموقف كبيرة.. فقيادة السلطة الفلسطينية لا تملك مخططا سياسيا ولا إعلاميا للتعامل مع الإنتفاضة.وبعض أركان السلطة لا يخفون من البداية موقفهم ضد الانتفاضة ومع إيقافها على الفور, والباقون يختلفون في الرؤية والمسار. والقليلون من الذين يظهرون على شاشات التلفزيون ( مثل د. حنان عشراوي) يعرفون كيف يخاطبون الرأي العام العالمي, والأغلبية تحارب طواحين الهواء, أو تكتفي بترديد الشعارات أو تتحدث بما لا تعرف. وإذا كان عجز القيادة عن التعامل ( سياسيا وإعلاميا) مع الانتفاضة قد انعكس بلا شك على الشارع العربي, فكيف يكون الأمر مع الرأي العام العالمي الذي يتعرض على الدوام لعملية غسيل مخ مستمرة على أيدي العلمانية بكل نفوذها المالي والسياسي والاعلامي في أوروبا وأمريكا؟! وعلى المستوى العربي كان العجز أفدح. ورغم نجاح عقد القمة العربية فإن الصوت العربي الواضح في مخاطبة العالم باللغة التي يفهمها مازال غائبا.. والأسباب كثيرة منها غياب الموقف الفلسطيني الواضح أولا ومنها انصراف كل قطر عربي إلى همومه الداخلية في غياب استراتيجية عربية موحدة, ومنها أن الخطوة الهامة التي حدثت في القمة العربية الأخيرة بإعلان شروط السلام المقبول عربيا لم تتم ترجمتها الى موقف حاسم في التعامل مع دول العالم على اساس موقفها من هذه الشروط وعملها على تحقيق السلام العادل وكبح جماح العدوان الاسرائيلي وانهاء احتلاله للأراضي العربية وانتهاكه للحقوق المشروعة. لو أن كل دولة (في أوروبا أو غيرها) أدركت أن مصالحها في المنطقة ستتأثر بلاشك بموقفها من الصراع العربي الاسرائيلي لتغيرت كثير من المواقف. لو أن الجميع أدركوا أن الأوراق العربية كلها سيتم استخدامها لتحقيق السلام العادل الشامل, فإنهم سيعيدون النظر فيما يجري. لو أن الحكومات الأوروبية وغير الأوروبية سمعت من داخل الحجرات المغلقة ما تسمعه خارجها لأخذت الأمور بجدية أكبر. لو أن ما نقرره في اجتماعات مسئولة يأخذ طريقه للتنفيذ الفوري والصحيح, ولا يتم التلاعب به كما حدث في قرارات اغلاق المكاتب الاسرائيلية أو مقاطعة العدو.. لما واجهنا أزمة المصداقية التي نواجهها على الدوام. ثم أين الجهد العربي في معركة الاعلام التي أصبحت ركنا اساسيا في حربنا مع العدو؟ لاشيء كالعادة حتى الآن, والأمر متروك للصدفة ولظروف هذا الاعلام والضغوط التي يتعرض لها من الصهاينة.. أما نحن فاكتفينا باجتماع وزراء الاعلام العرب الذي سمعنا فيه كلاما طيبا, ثم لا شيء.. فأجهزة الاعلام العربية تقسم وقتها بالعدل بين تغطية أخبار المسئولين وانتاج البرامج والمسلسلات التافهة, أما مخاطبة الرأي العام في العالم فلا أحد يهتم بها ولا أحد يستعد لها. وإحدى معجزات الانتفاضة أنها قادرة على الصمود حتى الآن, رغم كل هذا العجز في التعامل معها بما تستحق.. سواء من قيادة السلطة الفلسطينية نفسها, أو من النظم العربية.. ولكن الى متى تستمر المعجزة, وهل نستطيع أن نعبر بالانتفاضة الى بر الأمان.. لكي لا تكون مجرد صرخة احتجاج كما يراها البعض,أو عامل لتحسين شروط التفاوض كما يريدها البعض الآخر.. بل حركة تحرير لا تتوقف إلا باستعادة الأرض والحقوق وانتزاع الاستقلال وفرض أمر واقع جديد يرضخ له العدو كما رضخ في لبنان وغيرها؟ هذا هو السؤال والاجابة عليه تستلزم رؤية سياسية تعلن القطيعة مع أوسلو وتوابعها, وتؤسس لموقف عربي موحد ومتضامن, وتعيد القضية كما كانت وكما ينبغي أن تكون على الدوام.. قضية شعب يحارب لإنهاء الاحتلال وليست قضية أرض متنازع عليها. قضية حركة مقاومة وطنية لا تلقي السلاح إلا بالتحرير, وتعلن الانتفاضة كمقدمة لحرب طويلة تفرض فيها إرادتها على العالم كله. نائب رئيس تحرير جريدة اخبار اليوم المصرية