الكاتب الذي نذر نفسه لقول ما لا يستطيع الآخرون قوله, وتصدى لكلمة الحق وللمجاهرة بالحقيقة كاملة دون خوف من أحد, يجد نفسه أحيانا في مآزق وأوضاع حرجة لا يعرف كيف يخرج منها, لكنه في النهاية إذا كان صاحب موقف حقيقي وصاحب قضية عادلة سرعان ما ينفض عن نفسه غبار الحيرة والتردد ليضع كلمته القوية في موضعها ضاربا عرض الحائط بكثير من اعتبارات العلاقات والمصالح والمخاوف. وللأسف فإن كثيرا من الناس يعتبرون هذا الكاتب المجاهر برأيه بقوة وصدق إنسانا (أحمق) أو متهورا, لانه بهذه الطريقة الصريحة التي يعلن فيها آراءه على الملأ ويسمع صوته للمسئول والحاكم وكل السلطة المحيطة, فإنه يضع نفسه على حافة الخطر, ويسير على حد السيف كما يقولون, وهو في الوقت نفسه لا يبقي له صديقا أو عزيزا ويفقد صداقات شخصيات مهمة وعلاقات قد يستفيد منها كثيرا! هؤلاء الناس ينسون أو يتناسون حقيقة مهمة, هي ان كلمة الحق مؤلمة دائما وقد تقود للتهلكة أحيانا لأن كثيرا من الناس يهمهم ألا تقال هذه الكلمة وألا تكشف هذه الحقائق, لأن في كشفها هلاكهم, وهذه حكاية قديمة ومعروفة منذ بداية التاريخ, وفي كل تجمع إنساني يتصارع فيه الخير والشر وتتشابك فيه المصالح وتضيع فيه حقوق الناس ويكثر فيه الطمع والجشع لابد ان يتصدى لذلك كله أشخاص يدفعون بأنفسهم الى المحرقة راضين مطمئنين الى ان ذلك قدرهم الذي لا مفر منه, محاولين قدر استطاعتهم الا يكونوا حمقى او متهورين ولكن اقوياء متحصنين بالحقائق واحترام الاخرين واحترام انفسهم اولا واخيرا. لقد نشرت صحيفة الـ (ديلي تلجراف) اللندنية خبرا في نهاية السبعينيات ـ وفي اعقاب الخلاف بين انور السادات والكاتب المعروف حسنين هيكل ــ يقول انه مشغول في مصر بتكوين حزب سياسي جديد يحمل اسم جمال عبدالناصر, وعندما قرأ هيكل الخبر اتصل بمدير تحرير الصحيفة (جوردون بروك شبرد) محتجا على الخبر الكاذب ومطالبا باعتذار الصحيفة الذي نشر بالفعل في صباح اليوم التالي بناء على رسالة تكذيب ارسلها هيكل لـ (التلجراف). في معرض رده على مدير التحرير قال هيكل: ان الصحفي قد يكتب في السياسة, ولكن كتابته لا تعني احترافه لها, وقد يكتب في شئون المال او الفن, او الحرب, ولكن ذلك لا يجعله مضاربا في البورصة او ممثلا على الشاشة او جنرالا في ميدان القتال. ان الصحفي الذي يكتب في السياسة قد يتخذ لنفسه موقعا سياسيا ولكنه يختلف في ذلك عن السياسي الذي يحترف السياسة لغاية معروفة هي الوصول الى السلطة لتنفيذ افكاره السياسية. وكما قال هيكل ايضا: فكل ميسر لما خلق له, والكاتب يعرف حدوده ويلتزمها, ان الكاتب لا يستطيع غير ان يكون مستقلا, والاستقلال لا يعني التحرر من الالتزام, لكن الالتزام هنا هو الالتزام بفكرة وليس التزاما بفرد او تنظيم او سلطة او حاكم. هذا هو بالضبط أزعج هيكل من الخبر حيث رفض ان يجير لصالح تنظيم وهو الذي يعتقد بأنه يستطيع ان يقول رأيه حرا حيثما شاء واينما شاء دون تنظيم او حزب.