تعودت, وللعادة أحكامها وفصولها أن أتواصل مع كل ما هو تراثي قديم, من باب أن الحكمة غالبا ما تسكن الزوايا القصية, ومثلها العبر والمعاني وما وراء الكلام, فكثيرا ما تمر علينا مواقف في الحياة تحتاج منا إلى تجربة, وتلك إن لم نكتسبها بالبرهان فإننا نستوعبها بالقياس كما كان يفعل الأولون.. ومن هنا يصبح للقديم معنى ولكتب التراث بما تحمله من كنوز ألف معنى ومعنى. واليوم أجدني التقط حكاية من هنا وأخرى من هناك عسى ان يكون للتجربة الانسانية فيها دور ومكان ونقاط ربما لم تخطر على بال أحد منا.. يقال ان الاسكندر سأل حكماء أهل بابل: أيما أبلغ عندكم, الشجاعة أو العدل, قالوا: اذا استعملنا العدل, استغنينا به عن الشجاعة, ويقال عدل السلطان أنفع من خصب الزمان, وقيل إذا رغب السلطان عن العدل رغبت الرعية عن طاعته. وكتب بعض عمال عمر بن عبدالعزيز يشكو إليه من خراب مدينته, ويسأله مالا يرممها به, فكتب إليه عمر قد فهمت كتابك, فإذا قرأت كتابي فحصن مدينتك بالعدل, ونق طرقها من الظلم فإنه حرمتها, والسلام. وروي ان رجلا من العقلاء غصبه بعض الولاة ضيعة له فأتى إلى المنصور فقال له: أصلحك الله يا أمير المؤمنين, أأذكر حاجتي أم أضرب لك قبلها مثلا؟ قال: بل اضرب المثل, فقال الرجل: ان الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فإنما يفزع إلى أمه إذ لا يعرف غيرها, وظنا منه أنه لا ناصر له غيرها, فإذا ترعرع واشتد كان فراره إلى أبيه, فإذا بلغ وصار رجلا وحدث به أمر شكاه إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه, فإذا زاد عقله شكاه إلى السلطان لعلمه أنه أقوى ممن سواه فإن لم ينصفه السلطان شكاه إلى الله تعالى لعلمه أنه أقوى من السلطان, وقد نزلت بي نازلة, وليس أحد فوقك أقوى منك إلا الله تعالى فإن أنصفتني, وإلا رفعت أمري إلى الله تعالى في الموسم فإني متوجه إلى بيته وحرمه, فقال المنصور: بل ننصفك وأمر أن يكتب إلى واليه برد ضيعته إليه. ودخل الحسن بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم فأحب الحسن أن يتكلم فزجره, وقال: يا صبي تتكلم في هذا المقام. فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت صبياً فلست بأصغر من هدهد سليمان, ولا أنت بأكبر من سليمان عليه السلام حين قال:( أحطت بما لم تحط به) ثم قال: ألم تر ان الله فهّم الحكم سليمان, ولو كان الأمر بالكبر لكان داوود أولى. ولما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز أتته الوفود فإذا فيهم وفد الحجاز فنظر إلى صبي صغير السن وقد أراد أن يتكلم فقال: ليتكلم من هو أسن منك, فإنه أحق بالكلام منك. قال الصبي: يا أمير المؤمنين لو كان القول كما تقول لكان في مجلسك هذا من هو أحق به منك, قال صدقت, فتكلم, فقال: يا أمير المؤمنين إنّا قدمنا عليك من بلد نحمد الله الذي منَّ علينا بك, ما قدمنا عليك رغبة منا, ولا رهبة منك, أما عدم الرغبة فقد أمنا بك في منازلنا, وأما عدم الرهبة, فقد أمنا جورك وظلمك بعدلك, فنحن وفد الشكر والسلام. قال عمر رضي الله عنه, عظني يا غلام, فقال: يا أمير المؤمنين إن أناسا غرهم حلم الله وثناء الناس عليهم فلا تكن ممن يغره حلم الله وثناء الناس عليه, فتزل قدمك وتكون من الذين قال الله فيهم: (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) فنظر عمر في سن الغلام فإذا له اثنتا عشرة سنة فأنشدهم عمر: تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهل فإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل وتتناثر الأوراق القديمة وتفوح برائحة الحكمة والأمثال التي افتقدناها في زمن يلهث بأنفاس الفضائيات المتعبة, وتأتي الحكاية القديمة لترسم لنا درباً, ربما افتقده الكثيرون. يحكى ان البادية قحطت في أيام هشام فقدمت عليه العرب فهابوا ان يكلموه وكان فيهم درواس بن حبيب وهو ابن ست عشرة سنة فوقعت عليه عين هشام فقال لحاجبه: ما شاء أحد ان يدخل عليّ إلا دخل حتى الصبيان, فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقاً, فقال: يا أمير المؤمنين ان للكلام نشراً وطيًا, وأنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره, فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته, فأعجبه كلامه, وقال له: انشره لله درك. قال: يا أمير المؤمنين انه أصابتنا سنون ثلاث, سنة أذابت الشحم, وسنة أكلت اللحم, وسنة دقّت العظم, وفي أيديكم فضول مال, فإن كانت لله ففرقوها على عباده, وإن كانت لهم, فعلام تحبسونها عنهم, وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم, فإن الله يجزي المتصدقين. قال هشام: ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذراً, فأمر للبوادي بمئة ألف دينار وله بمئة ألف درهم, ثم قال له: ألك حاجة؟ قال: ما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين, فخرج من عنده وهو من أجلّ القوم.