من المقولات التقليدية في الأدبيات الحقوقية أن (العدالة البطيئة تكاد تتساوى والظلم البين), ليس في عالمنا المعاصر من ينافس أهل فلسطين وبعض العرب دراية ومعرفة بصدقية هذه المقولة . فقد جاء حين من الدهر, كانت فيه مشكلة الأطراف العربية التي ابتليت بالغزو الصهيوني, والفلسطينيين بخاصة, تدور حول جهل الآخرين بقضيتهم..وعندما تمكن هؤلاء بنضال مرير وتضحيات جسيمة من التعريف بهذه القضية وعرض حقائقها, واقتراح اعتراف دولي موثق بحقوقهم, باتت المشكلة في عدم الاكتراث الدولي بالمبادرة الجادة إلى تطبيق لهذه الحقوق وبذل جهد صادق في إقرار ميزان العدالة, بل وتعمد التلكؤ في هذا السياق. بوسعنا استذكار عشرات القرارات الدولية العاطفية على الحقوق العربية عموما, منذ أكثر من خمسين عاما, التي لم تشق طريقها إلى التنفيذ العملي, ولم تبد تجاهها إسرائيل أي مظهر للتعاون . ومع ذلك, فإن الجهات المنوط بها إلزام هذه الدولة بالتنفيذ ولديها ما يمنحها التفويض بهذا الأمر, بما في ذلك استخدام القوة المسلحة, فضلا عن طيف واسع من الاجراءات الأقل حزما, لم تتحرك في هذا السبيل قيد أنملة. ولو كان العصيان الإسرائيلي نموذجا غير متفرد في دنيا العلاقات الدولية وموقف أعضاء المجتمع الدولي من القانون المنظم لهذه العلاقات, لهان الأمر على العرب . ولكن التمرد الإسرائيلي لا نظير له بالفعل, وما يعقد المنظور العربي لهذه الظاهرة, أن الدول العربية حتى التي تستشعر خلل ميزان العدالة الدولية معها في الصراع مع العدوان الإسرائيلي تقع بين الفئة الأكثر إنصياعا للشرعية الدولية . وتحدث هذه الطاعة في بعض الأحيان على الرغم من أنها تتسبب في التحليل الأخير في إهدار مصالح للنظام العربي ذاته, وكذا على الرغم من اليقين العربي بأنها شرعية معيبة في أصلها . والأمثلة على ذلك كثيرة, من القبول بقرار تقسيم فلسطين الظالم إلى المشاركة في حصار العراق! أكثر من ذلك مدعاة للأسى أن أمة العرب, ولاسيما الشعب الفلسطيني, لا تكاد تجد وعدا صريحا بنهاية للصمت الدولي على الحالة الإسرائيلية في أجل قريب أو بعيد .. فمثل هذا الوعد من جانب الجهات الساهرة جدلا على القانون والعدالة الدوليين, كمجلس الأمن الدولي, سوف يساهم في إشاعة الأمل في النفوس ويهدئ روعها وشعورها بالغبن. وفي تقديرنا أن مجرد التلويح بضوء في نهاية النفق يبشر بأن إسرائيل ستخضع عند حد معين وتوقيت ما لعقوبات دولية ظاهرة, سيكون له مفعول السحر في تهدئة ثائرة المنتفضين داخل الأرض المحتلة وخارجها. إن تطبيق العدالة في المحنة الفلسطينية ليس فيما يظهر متأخر فقط أو محجوب حتى حين, إنما هو غائب تماما إلى أجل غير مسمى . وهذه بدعة لم تعرفها القضايا الدولية بهذا القدر من الصفاقة والاستهتار. بعد أسبوع واحد من استكمال اسرائيل احتلالها للضفة والقدس وغزة والجولان وسيناء, أصدر مجلس الأمن في 14 /6/1967 قراره رقم 237 / منبها فيه إلى قضية احترام حقوق الإنسان في هذه المناطق المحتلة .. ومشيرا إلى ضرورة أن تضمن الدولة القائمة بالاحتلال عودة الذين غزوا في المعارك الأخيرة, ومراعاة حقوق المدنيين وفقا لاتفاقيات جنيف الرابعة الموقعة في 12/8/,1949 ولم تمر سوى ثلاثة أسابيع أخرى, حتى أردفت الجمعية العامة القرار المذكور بأخر من عندها تحت رقم 252 في 4/7/,1967 يؤكد على الأبعاد الحقوقية المذكورة. وعندما تأكدت الجمعية العامة من اهمال اسرائيل لهذين القرارين أنشأت لجنة التحقيق الخاصة في ممارسات إسرائيل التي تمس حقوق الإنسان في الأرض المحتلة وكلفتها في 19/12/1968 بالتعرف على عمليات نهب الموارد والتراث الثقافي والمساس بحرية العبادة, علاوة على مستوى إهدار حقوق الإنسان المكفولة بالمواثيق الدولية. وعلى الرغم من معارضة إسرائيل لأعمالها فقد تمكنت اللجنة من إنجاز أول تقاريرها بحسب التكليف المشار إليه عام 1970 . وشملت وثائقها ما يدمغ سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعدم احترام حقوق الإنسان وانتهاك اتفاقيات جنيف المنظمة لحالة المدنيين وقت الحرب وتحت الاحتلال, وارتكاب مخالفات تدخل في دائرة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية . ومن ذلك, سياسات ضم الأراضي والاستيطان فيها, ونقل السكان وتغيير المعالم الطبيعية للأرض المحتلة والاعتقالات الجماعية وتعذيب المعتقلين, والتعدي على الحريات الدينية, وترحيل المدنيين وانكار حقهم في العودة, واستغلال الموارد والثروات الطبيعية ونهب التراث الثقافي. كان ذلك كله قبل ثلاثين سنة.. وعلى مدار هذه الفترة الممتدة كانت إسرائيل قد طورت آليات السيطرة والتحكم, وأصبحت على خبرة بمداخل إضافية مبتكرة لانتهاك حقوق الإنسان, واصبحت بالطبع على دراية بأنها ليست بوادر الخضوع ليد العدالة الدولية, أما الإدانة الكلامية فقد كانت ومازالت أمرا يمكن احتماله ومعالجته كلاميا أيضا. ولهذا لا نجد مبررا للاحتفال العربي بقرار لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الأخيرة ( 19/10/2000), الذي جدد التنديد بانتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة .. إذ أن ما ينقص الفلسطينيين تحت الاحتلال, ليس التعريف المتكرر بجرائم الحرب الإسرائيلية ضدهم, ولا مزيد من لجان التحقيق الدولية (كلجنة ماري روبنسون) أو لجان النقض (كلجنة الأمريكي ميتشيل وصحبه التي لم تتحرك بعد إلى موقع الأحداث, واللجان الأوروبية المتوالية إلى حد الملل), وإنما ينقصه مبادرة حقيقية إلى اعمال العدالة عاجلا, وممارسة إجراءات عقابية تجعل إسرائيل في طائلة القانون الدولي والشرعية الدولية لا فوقها كما هو الحال منذ يوم ميلادها الأسود . وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة