بعد جعل ارتكاب الانتحار على طريقة (موت الرحمة) فعلا قانونيا في هولندا الاسبوع الماضي تكون هذه البدعة الاجرامية قد انتقلت رسميا من المجتمع الامريكي الى المجتمعات الاوروبية.. فهل تنتقل الى المجتمعات الاسلامية مستقبلا؟ ان هذا يعتمد على مدى تمسك الافراد والجماعات في المجتمعات الاسلامية بالقيم الاخلاقية الازلية التي تنطوي عليها رسالة العقيدة الاسلامية. فبدعة (موت الرحمة) في المجتمعات الغربية ليست سوى احدث حلقة ضمن مسلسل طويل من التحلل من القيم الاخلاقية الدينية لصالح القيم المادية النفعية الذاتية للمذهب الرأسمالي. فالتحلل من التزامات القيم المسيحية ظل يسير جنبا الى جنب مع تطور واتساع النظام الرأسمالي وانعكاساته على التعامل المسلكي بين الافراد والجماعات. ما جرى في هولندا سوف يكون نموذجا سرعان ما ينتشر في دول اوروبية اخرى. لقد اجاز البرلمان الهولندي اخيرا قانونا يجعل ممارسة (موت الرحمة) امرا مشروعا. ووفقا للقانون فإن اي شخص بالغ ــ اي تجاوز السادسة عشرة من العمر ــ يعاني من مرض يسبب له آلاما لا تطاق ولا تنتهي يجوز له ان يطلب من الطبيب انهاء حياته.. اذا توافرت شروط معينة حددها القانون. ومن بين هذه الشروط الاستوثاق من ان المريض تصرف بمحض ارادته الحرة وان يقرر اكثر من طبيب ان المرض لا يرجى الشفاء منه, كالحالات المتأخرة من السرطان مثلا. ظاهريا تبدو الدوافع التي ادت الى تشريع القانون انسانية.. لكنها ابعد ما تكون عن ذلك. فما وراء البدعة عوامل مادية مما يدخل في تسييح القيم الرأسمالية القائمة على مبدأ حسابات الفائدة والخسارة بالمعنى المادي الصرف. على هذا الاساس ينظر اجتماعيا وحكوميا في مجتمع رأسمالي الى الشخص المريض الذي يقعده المرض لمدى سنوات متصلة ولا يرجى شفاؤه طبيا.. اولا كطاقة بشرية معطلة فقدت القدرة على الانتاج.. وثانيا كعبء مادي ثقيل على الاسرة والدولة معا لانه يكلف احداهما او كليهما فواتير لا تنتهي من العلاجات والاجهزة بالاضافة الى مكافآت التأمين الاجتماعي. واذا كان من المحرج التخلص من ذلك المريض بقتله, فإن ذلك ممكن بتشجيعه على انهاء حياته بطلب منه. ان مثل هذا التفكير ليس واردا بالطبع في اسرة تنتمي الى مجتمع اسلامي او مجتمعات العالم الثالث الاخرى التي لا تزال تراعى فيها قيم اخلاقية مبنية على عقيدة دينية ما او تقاليد راسخة متوارثة. في المجتمع الاسلامي يتقيد سلوك اعضاء الاسرة نحو بعضهم البعض بقاعدة التكافل والتراحم مع رجاء الثواب من الخالق.. وبالتالي يكون حساب الفواتير المادية في هذه الاحوال اقرب الى الكفر. كما يتقيد بالاعتقاد في الحياة الاخرى والجزاء فيها على اساس العمل في الحياة الدنيا. وبناء على هذا الاعتقاد السامي يكون من بين الاعمال الطيبة التي يرجى ثوابها عند البعث الصبر والاحتساب في مصيبة المرض.. الذي كلما اشتدت وطأته كلما كان الثواب اوفى مع الصبر. فالمرض العضال في هذه الحالة هو تطهير للنفس لتحسين مؤهلات صاحبها للحياة الاخرى. ولهذا حرم الاسلام الانتحار لانه يمثل ذروة سوء الظن بالخالق واليأس من رحمته. وهذا هو تصنيف بدعة (موت الرحمة).