قضى الاصفهاني خمسين سنة من عمره, ليؤلف كتاب (الاغاني) فكان هذا الكتاب نادرة الكتب, لم يؤلف في باب مثله, جمع فيه اخبار 395 شاعراً بين جاهلي ومخضرم واسلامي ومحدث عندما انتهى، من تأليفه حمله الى سيف الدولة الحمداني فأعطاه الف دينار, هذا المبلغ في زمانه يعد ثمن غالياً وثروة طائلة, وكان الصاحب بن عباد اذا سافر حمل كتبه على ثلاثين جملاً, فلما اقتنى الاغاني, استغنى به عنها. ومثل الاغاني كتب كثيرة وضعت في أزمنة تعد عصوراً ذهبية لازدهار الفكر والادب والعلوم والترجمة والاختراع والتأليف ذلك الزمان الذي كانت فيه الامة العربية والاسلامية هي شمس الحضارة والابداع تقود الامم وتخرج العالم من ظلمات الجهل والامية. في تلك العصور ظهر الوراق, مؤشراً على النهضة والتطور, يعلن ميلاد ثورة جديدة هي صناعة وتجارة الكتب فقبل الوراق كان الكتاب للخاصة, يقتنيه الخليفة والاغنياء فقط, وكان صناع حرفة الكتابة والخط يعدون على الاصابع. كبرت الامة واتسعت رقعتها وازدادت مؤلفاتها ومترجماتها وانتشر العلم والتعليم, واصبحت الحاجة ملحة عند سواد الناس للقراءة واقتناء الكتاب. فجاء الوراق ليحل مشكلة ويرسي تجارة جديدة ويساهم في نشر العلوم والثقافة للامة, كان الوراقون يفتحون دكاكينهم امام الجوامع والمدارس وتوسعت وازدهرت هذه الحرفة, حتى بلغ عدد هذه الدكاكين في عاصمة مثل بغداد مئة دكان في مرحلة الازدهار الكبير بالعصر العباسي. لكن الكتاب لم يصل لكل الناس رغم هذا التطور في عمليات التأليف والانتشار والبيع, لسبب وهو ان صناعة الكتاب كانت عملية شاقة, فكان الكتاب يحفر على سعف النخيل أو الرق وبعد ذلك جاء اكتشاف ورق البردى, الى ان تعرفوا على الورق وظلت عمليات النسخ تتم باعادة كتابة المخطوط باليد. وعندما جاءت المطبعة, كان واقع الامة التي حكمت العالم, انها اصبحت في المؤخرة, تابعة, لا تملك قرارها, حل فيها الجهل بعد العلم, فدخلتها المطبعة بعد دهر طويل فعادت هذه الامة التي زال عنها صفة امة واحدة وصارت دولاً متفرقة وازمنة متغيرة, عادت تبحث عن بقايا مجدها الفكري والعلمي والديني, عن تلك العصور المجيدة في تراث التاريخ المكتوب, الذي احرق وضاع وسرق كثير منه وتناثر في الغرب والشرق. اعادت جمع ما حصلت عليه, وبدأت عمليات اعداده وطباعته وتقديمه للزمن الحاضر, وكان كتاب الاغاني, احد اهم ركائز الثروة الادبية التي حفظها التاريخ, فتمت طباعته في عشرين مجلداً, وعثر احد المستشرقين على جزء آخر منه في احدى مكتبات اوروبا, كما تم العثور على فهرس للكتاب وضعه ايطالي وكتب بالفرنسية, وتمت طباعته في ليدن سنة 1900 ميلادية, فتمت ترجمته, واضيف الجزءان الى الطبعة العربية فانتشر كتاب الاغاني بفضل المطبعة, واعيدت طباعته في اكثر من دار ودولة بأشكال ومواصفات فنية مختلفة الا ان قلة من الناس هي التي اقتنته بسبب ارتفاع سعره, وقلة منهم التي قرأته كاملاً لضخامته وتخصصه. نكاد اليوم نقول ان الطباعة تعد صنعة قديمة فهذه حقبة (الكمبيوتر) والجيل الذي ولد فيها, لا يعنى كثيراً بالكتاب المطبوع, لقد اختلفت لغة الخطاب, وما عادت هناك مبادئ ولزوميات يرتكز عليها فكر وثقافة الانسان المنتمي لهذه الامة لأن الذي يعلم ويوجه, الذي يقوم بعملية التربية والارشاد, لم يعد هو الدولة والاب والمعلم, انما آلية جديدة تحكم العالم, تحمل ثقلاً سياسياً واقتصادياً واعلامياً, تفرض العولمة وتلغي الهوية, تصل اطراف هذا العالم وتديره من خلال الكمبيوتر والذي يملك الانتشار في هذا الجهاز الصغير فإنه يكون الاكثر قوة ونجاحاً, وشبكة الانترنت هي النسيج الذي يلف هذه الكرة التي تجمعنا, هي الاقتصاد والتجارة والتسلية والسياسة والنصب والافكار الهدامة والثقافة والحرب والاختراع, هي الحياة بكل ما فيها, ودول العالم تتسابق للحصول على اكبر حيز في هذا المحيط, تحاول ان تكون مؤثرة, تجذب الداخلين نحوها, تخاطبهم بجميع اللغات والفنون, وتقدم لهم مختلف المعارف والمتطلبات والمغريات, انها تفرض وجودها وقوتها وهويتها بلغة الزمن الجديد. العربية في هذا العالم لا تزال وليدة, ضعيفة, تمارس التكرار والتقليد, تخاطب المحترفين بلغة المبتدئين الهواة. الكيانات التي تسكن هذه الشبكة, تتطور كل دقيقة, تكبر كل يوم, والعربية تتحرك ضائعة, متخبطة تمارس تجارب التطوير والتجديد ببطء شديد وفي المواسم. هناك مؤسسات وشركات تكاد تخرج عن هذا الواقع العربي, وتقدم مشاريع وبرامج تمثل اضافة نوعية, وخياراً جديداً يحمل تطلعات نحو مستقبل افضل لهذه الامة, من بين هذه المشاريع يأتي (الوراق) امتداداً لذلك المشروع النهضوي ولكن بلغة جديدة, لغة العصر التقني, مشروع الوراق الجديد, يحاول ان يحفظ حقوق هذه الامة, يذكر بحضارتها ومجدها, يوجه رسالته الى كل العالم, في عالم الانترنت, ويخص برسالته ابناء هذه الامة, المعنيين بهذا التاريخ, الذين يجهلون هويتها والحضارة التي صنعتها. يقدم الوراق الالكتروني مليون صفحة من التراث العربي والاسلامي, على الشبكة, تحمل هذه الصفحات امهات الكتب في مختلف العلوم والاداب من فكر وتاريخ وفلسفة ودين وطب وشعر, ومن مختلف العصور, ما قبل الاسلام وحتى العصر الحديث. في الوراق ستجد كتاب الاغاني على رأس القائمة, هذه الموسوعة الضخمة منشورة في اكثر من 5500 صفحة, ومثلها كل الكتب القيمة والتي يزيد عددها على 500 كتاب في الموقع مثل: الانساب, طوق الحمامة, رياض الصالحين, المسالك والممالك, رحلة ابن بطوطة والف ليلة وليلة, احياء علوم الدين, الحاوي في الطب, كشف الظنون, البيان والتبيين. المشروع يعرض هذه الكتب كاملة, ويقدم خدمة البحث فيها, وهذه من اهم المزايا التي تختصر الوقت والجهد, فيمكن للمطلع ان يبحث عن موضوعه او الشخصية التي يريدها في كتاب معين او في جميع الكتب, ويتم عرض الصفحات وموقع الكلمة او الجملة فيها. فمثلاً بحثت عن تكرار كلمة الحرب فوجدتها ذكرت 16610 مرات, الخيل 13681 في 10419 صفحة في 398 كتابا, الشعراء 8840 مرة, اسم عمان 2198 مرة في 1576 صفحة في 208 كتب. وراق القرن الحادي والعشرين يمتاز انه مشروع ثقافي غير ربحي, فكل ما فيه متاح لكل قارئ من غير رسم مادي, يمنحه ثروة باهظة التكلفة مجاناً فقط من اجل ان يذكر تاريخ امته, ويستفيد منه ان يعتز بها. حلم عربي كبير حققه مجموعة من الرواد يقودهم الاستاذ محمد احمد خليفة السويدي, انهم يستحقون الدعم والتقدير, فهو عمل عجزت ان تقوم به دول. فشكراً للوراق الجديد.