مضى اكثر من شهرين ونصف على انتفاضة الفلسطينيين او حربهم من اجل الاستقلال وانهاء الاحتلال الاسرائيلي, ومع ذلك فهي تبدو اليوم مثل ثمرة طال امد نضوجها. من الصحيح القول ان هذه الانتفاضة او الحرب قد اعادت من جديد وضع القضية الفلسطينية على رأس جدول اعمال المنطقة والعالم, وهي التي لم تغادره قط منذ خمسين عاما, لكنها بالمقابل لم تعامل بما يليق بمكانتها هذه. فهي البند المقيم والمؤجل دائما. ولم تضف سمة الثبات والاستمرارية هذه اية مسحة مسئولية او جدية اضافية على اللاعبين الاقليميين او الدوليين. كما لو ان عامل الزمن والتكرار, قد اوجدا حالة من التكيف والاعتياد مع الوقت, حالت بدورها دون النظر الى هذه القضية بما يتناسب مع اهميتها. من الممكن الاتفاق مع الرأي القائل بأن القضية الفلسطينية لا تشبه غيرها من القضايا, ان لجهة التعقيد او الملابسات بيد ان خمسين عاما ليست قليلة هي الاخرى اذا وضعنا بعين الاعتبار الثمن الباهظ الذي دفعه الفلسطينيون والعرب على امتداد العقود الماضية. وان صح انها ليست نادرة في حال اخذ الزمن والتعقيد في عين الاعتبار, اذ تسبقها الايرلندية مثلا والتي يقترب عمرها من المئتي عام, والكردية وغيرها من قضايا مزمنة, فإن ما من قضية اخرى تشبه القضية الفلسطينية التي تشل حركة منطقة بأكملها وتدفعها الى اتون حروب وازمات خانقة. ولو كان هذا السبب وحده, لكفى كي يصار الى ايجاد حلول جادة وعادلة لهذه القضية. المشكلة كما تبدو لي تكمن في ان القضية الفلسطينية قد علقت ولاسباب مفهومة, بشباك كثيرة على امتداد التاريخ الحديث منها ما هو سياسي وما هو ديني وما هو ايديولوجي وما هو تاريخي. ويبدو ان من الصعب نزعها من هذه الشباك واعادتها الى سوية القضية السياسية المعاصرة بسهولة. واعتقد ان اتفاقيات اوسلو التي ثبت تواضعها عمليا كانت تحاول شيئا من هذا القبيل, اي تحاول اضفاء صبغة سياسية على هذه القضية وتجريدها من بعديها الديني والتاريخي, بما ان هدف المفاوضات هو الوصول الى تسوية نهائية توافقية للأراضي الفلسطينية على اساس قرارات الامم المتحدة. بيد انه يتضح اليوم ان طموح تلك الاتفاقيات كان محدودا ومحكوما بسقف واطىء من التطلعات, والاهم ان المشاركين فيها, لم يكونوا يدركون حجم الصعوبات والتعقيدات التي تنتظرهم. والسؤال الآن هو: هل تقع القضية الفلسطينية مرة اخرى فريسة لتلك الشباك, ام يجري تطوير اتجاه اوسلو بما ينسجم مع نزوع الشعب الفلسطيني نحو الاستقلال واقامة دولته الوطنية وعاصمتها القدس؟ اعتقد ان هذا الاتجاه لم يفقد زخمه بعد. وتدل جميع المؤشرات بما في ذلك المواقف الفلسطينية والعربية, على ان طريق التفاوض السياسي سيظل حجر الزاوية في نضال الفلسطينيين في المدى المنظور على الاقل. فالانتفاضة الفلسطينية وعلى الرغم من قمع الاسرائيليين العنيف لها, لم تنزلق الى اتجاه ايديولوجي او دني, وانما حافظت على هدف واضح وهو ازالة الاحتلال الاسرائيلي واقامة الدولة. كما أظهرت القيادة الفلسطينية استعدادا ملفتا للتجاوب مع اي مبادرة سياسية في هذا الاتجاه. اما الدول العربية فإن ايقاع تحركاتها ومواقفها السياسية ظلت مرتبطة بإيقاع القيادة الفلسطينية ولم تتطور ردود فعلها خلال القمة العربية او بعدها الى ما يدل على وجود اتجاه جديد. وعلى عكس السنوات الماضية حين كانت بعض العواصم العربية تتبنى مواقف او سياسات خاصة بها تجاه القضية الفلسطينية, بصرف النظر عن مواقف منظمة التحرير واحيانا بالضد منها فإننا نشهد اليوم تأييدا عربيا نادرا للسلطة الفلسطينية وتسليما بأهليتها وشرعيتها. وحتى القيادة السورية التي عبرت مرارا عن استياءها وعدم ثقتها بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, فإنها تبدو اليوم عازفة عن اتخاذ اي موقف او القيام بأي اجراء عملي ضد عرفات. وبتصوري ان المواقف العربية الحالية انما هي محاولة لعدم اعطاء الحكومة الاسرائيلية المبرر للقيام بمغامرة عسكرية اكبر في الاراضي الفلسطينية من جهة, ومن جهة اخرى عدم السماح للخطاب الاصولي في المنطقة بالبروز والانتشار اكثر مما حدث الآن. من هنا يبدو لي ان الاصرار العربي والفلسطيني الرسمي على عدم التخلي عن خيار التفاوض, هو في جزء منه نابع من ادراك لطبيعة الوضع السياسي المعقد وكبح اية محاولة لوضع الحكومات العربية امام خيارات لا تريدها وليست مستعدة لها. غير ان هذا ليس قمينا وحده بحل المشكلة, في حين ان استمرار الوضع الحالي, بجموده وخسائره البشرية الكبيرة في صفوف الفلسطينيين, قد يطيح بالسياسات العربية الرسمية, ويصيب الوضع في المنطقة كلها بالعطب, عدا انه يعمق مأزق اسرائيل. اعتقد ان اسرائيل وبعد ان ينجلي غبار انتخابات الرئاسة الامريكية والانتخابات الاسرائيلية سوف تكون مضطرة لقبول حلول افضل مما قدمته اتفاقات اوسلو. ومن ينظر الى الهستيريا التي اصابت المستوطنين اليهود جراء الانتفاضة واستعدادهم للنفاذ بجلودهم من المناطق الفلسطينية لابد ان يدرك ان حلا للقضية الفلسطينية قد بدأ يتبلور وان الوقت لن يطول قبل ان يرى مثل هذا الحل طريقه للعلن. لكن هل سيجد قبولا لدى الفلسطينيين ام لا, وهل يتناسب مع طموحاتهم ومطالبهم ام لا, فهذه مسألة اخرى.