هل يتحتم ان تشتبك دولتان في حرب طويلة تهلك موارد اقتصادية وتتسبب في تشريد مئات الألوف من البشر بالاضافة الى مئات الوف اخرى من القتلى حتى تقتنعا في النهاية ان نزاع الاراضي الحدودية بينهما قابل للتسوية العادلة بواسطة وسائل التحكيم القانوني السلمي؟ في الاسبوع الماضي رأينا رئيس اريتريا ورئيس حكومة اثيوبيا يوقعان في الجزائر في احتفال مشهود اتفاقية سلام شاملة بعد حرب ضروس استمرت سنتين واوقعت بكل من البلدين خسائر فادحة من الصعب تعويضها حتى على المدى البعيد ومن المفروض ان تمهد هذه الاتفاقية لتشكيل لجنة خماسية تمثل فيها الحكومتان بعضوين لكل منهما ويرأسها عضو مستقل لتنظر في قضية النزاع الحدودي على أسس القانون الدولي, مستعينة بخبراء متخصصين على ان تفرغ اللجنة من مهمتها في مدة اقصاها 18 شهراً. والسؤال الذي يطرح هو: ألم يكن الأفضل ان تتفق الحكومتان على هذا التحكيم العقلاني القانوني قبل اللجوء الى قرار الحرب الجنوني؟ هنا يقتضي الانصاف ان نسجل ان الحكومة الاريترية سبق ان اقترحت رفع النزاع الى محكمة العدل الدولية معلنة سلفا انها تلتزم بنتيجة الحكم مهما كان, وان الحكومة الاثيوبية رفضت الاقتراح, لكن الانصاف يقتضي ايضا ان نذكر ان الاعلان الاريتري جاء بعد ان اكتسحت القوات الاريترية بالفعل الارض المتنازع عليها.. وكأنما ارادت اسمرا ان تستعد لأي تسوية سلمية من موقع قوة وعلى أساس الأمر الواقع الذي خلقته. ان من المبكر ان نقول ان السلام قد حل أخيراً بين اثيوبيا واريتريا بعد توقيع اتفاقية الجزائر. فلجنة التحكيم قد تنتهي الى فشل بسبب تعنت احد الطرفين او كليهما.. ومن ثم فان القتال قد يشتعل من جديد. هذا يقودنا الى المشكلة في اطارها الاكبر كقضية افريقية تنتظم القارة السوداء وهي مشكلة التقسيم الحدودي الذي ورثته الدول الافريقية لدى نيل الاستقلال الوطني من الادارات الاستعمارية الاوروبية. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر جلس ممثلو الحكومات الاوروبية التي تسابقت دولها صوب القارة الافريقية لتقسيم الكعكة, وكانت النتيجة رسم خطوط حدودية لاقامة كيانات وطنية خاضعة لادارات استعمارية مختلفة.. كانت خطوطا مصطنعة تتعارض مع التوزيعات الطبيعية للقوميات العرقية والقبائل والكيانات الثقافية. وطوال عقود الاستعمار لم تطرأ نزاعات حدودية خطيرة وعندما تحدث مشكلة يسيرة كانت الحكومات الاستعمارية الاوروبية تتفق فيما بينها على اجراء تعديلات يسيرة هنا او هناك. اندلعت النزاعات بعد انسحاب القوى الاستعمارية, وبالتالي ظهور دول مستقلة على رأسها حكومات وطنية, والحروب التي اشتعلت وتشتعل في القارة الافريقية نشأت كلها تقريباً من احتكاكات وتوترات بسبب المطالبات الحدودية. وهي حروب لن تنتهي في اي مدى منظور لأن النزاعات الحدودية ليست سوى الوجه الخارجي اما لمواجهات عرقية وقبلية او تنازع حول مورد طبيعي غني كالأراضي الخصبة او المعادن. ان مشكلة افريقيا على هذا النحو لن تزول الا بموجب مراجعة شاملة بصورة جماعية للتقسيم الذي اجرته القوى الاوروبية قبل أكثر من قرن تقوم بها الدول الافريقية مجتمعة بغرض اعادة ترسيم الحدود على هدى مبادىء وأسس تأخذ في الاعتبار وحدة الكيانات القومية والعرقية والقبلية المفتتة بسبب التقسيم القديم. وهذا يتطلب بالضرورة فصل اقاليم من دول وضم اقاليم الى دول أخرى. ولأنه تحدٍ كبير وخطير فانه يتطلب قبل ذلك ارادة افريقية جماعية شجاعة. وإلا فان افريقيا سوف تبقى ضحية حروب بلا نهاية.