مر علينا زمن طويل ونحن نقرأ ونتحدث ونناقش ذلك الجنون الفجائي الذي ترك بني البشر وأصاب البقر, ويبدو لأن البقر المجنون هذه المرة كان إنجليزيا لم نحاول أن نهتم بذلك الجنون, ولا بتلك البقرات اللاتي قررن فجأة ، (اعتناق) مرض كنا نحسبه من الصفات الملازمة للبشر, لأنه كما يعرف السادة القراء أن ذلك الجنون أنواع: بعضه فاسد والعياذ بالله, لأنه يؤذي صاحبه وأصحاب صاحبه وأهله, ويذيقهم العذاب حتى يذهب صاحبه إلى حيث لا عودة, وهناك جنون (حميد) بل وجميل وممتع, مثل ذلك الجنون الذي يصيب العشاق الشعراء, مثل ذلك الذي أصاب قيس بن الملوح وغيره فأمتعونا بأجمل القصص والأشعار, التي تضيف إلى ديوان الجمال والمتعة. ظل الأمر كذلك باعتبار أن ما يجري في فناء داري لا أهمية له ولا علاقة لي به, ولكن يبدو أن هناك من كان يريد دائما التعتيم على هذه القضية لأن ذلك البقر المجنون يسكن ما هو أقرب إلينا من أفنية دور الجيران, بل أقرب إلينا من أفنية دورنا, أنه يسكن (معدتنا), لأننا نستورد من أوروبا كميات مهولة كانت (مانشتا) قبل أيام على الصفحة الأولى لصحيفة عربية, حتى أنني أصبت بالفزع عندما قرأت الرقم, لأنه يكشف أننا نستورد معظم اللحم الذي نطعمه ونستمتع به ما بين أنواع مشوية, وأخرى مقلية وثالثة مطبوخة, ولا يعلى على المرأة العربية في إعداده لنأكله هنيئا مريئا. لكن انتشار الجنون البقري من بقر الإنجليز إلى بقر الفرنجة والألمان, ولحق الآن ببقر أولاد عمنا الأسبان, و غيرهم من بقر أوروبا, وليس هناك من يؤكد لنا أن هذا الجنون لم يرحل باتجاه استراليا ونيوزلندة, الذي هو في النهاية الجزء الأكبر من مستورداتنا من اللحوم, التي لا يغني عنها أكل الخرفان والماعز وغيرها من تلك الأنواع التي نعشقها, وننعم بنكهتها وطعمها وبشكل خاص عندما (تصوصو) البطون بعد طول انقطاع عن الطعام في أمسيات الشهر الفضيل شهر رمضان الكريم الذي ننعم به الآن. من هذا المنطلق, ومن منطلق أن جزءا من طعامي القريب مني أصبح هو الآخر مجنونا, لأن إقامتي في إسبانيا تجعلني أعيش المشكلة, بل وأصبح معنيا بها, لذلك قررت البحث في كل ما هو مطبوع ومقروء ومسموع لمعرفة أي جديد بكل اللغات التي أعرفها, وهي ليست كثيرة, لا من منطلق التحريض ضد البقر المسكين, الذي لا ذنب له في ما أصابه من جنون, ولكن من منطلق (أن الوقاية خير من العلاج), ولصون نفسي من أذى هذا الجنون, وبما أنني املك طريقة أو طرقا للحديث مع غيري من البشر عبر الكتابة أو الكلام, فكرت أنه يكون مفيدا لو نقلت خبرتي للأصدقاء الذين يبحثون مثلي عن بعض الإفادة في عالم لم يتوقف عند ما نبتلي به من جنون البشر, ليضيف إلينا جنون البقر. قرأت كثيرا في كل ما كتبه المتخصصون من الأطباء ورجال العلم, ولكن إحقاقا للحق واعتراف بالحقيقة, لم أفهم شيئا سوى أن البقر أصابه الجنون لأنه يأكل اللحوم مثل البشر, بل أن تلك المعلومة حيرتني كثيرا, وأنا الفلاح ابن الفلاح الذي عرف أن البقر لا يأكل اللحم, بل غذاؤه الحشائش وان لم توجد كان العلف غذاء لذيذا له, فكيف يحاول البعض أن يقول أن البقر (آكل لحوم) تماما كالبشر (!). أجهدت نفسي ما بين القواميس المختلفة للتعرف على كلمات ومصطلحات كان يستخدمها هؤلاء المتخصصون, بعضها بالإنجليزية, وبعضها بالإسبانية, والبعض الآخر وان كان قليلا بالفرنسية, ولكن إحقاقا للحق في هذا الشهر الكريم كنت كلما ازددت اطلاعا ازداد جهلا على جهل, أم لأنني لم أجد شرحا كافيا لها في تلك القواميس, أو أن كلماتها مغلقة مغلفة تشبه كتابة الأطباء للروشتات الشهيرة, التي لا يفهمها غير الصيادلة, أو لأن بعض تلك الكلمات غير معروفة وجديدة على الدنيا تماما كجنون البقر, ولم تدخل بعد في تكوين تلك القواميس, تماما كلغة الحواسب الآلية. لكن طبيبا حكيما له خبرة في التعامل مع أمثالي من جهلة العلوم قرر أن يشرح الأمر ببساطة تليق به كخبير معروف في مجال يجعله قريبا من الناس العاديين, وفي الوقت نفسه لديه الصبر الكافي والحنكة في التعامل المباشر مع البشر من خلال سنوات طويلة كان يمارس فيها مهنة نقل الأعضاء من الموتى إلى الأحياء, حتى أصبح شهيرا لأنه كان حتى وقت قريب صاحب أكبر شبكة من الجمعيات الخيرية التي تساعد المستشفيات في هذه المهمة الشاقة, والتي بفضل جهوده ــ جعلت من إسبانيا من أشهر البلاد في العالم التي تمارس عمليات نقل الأعضاء وزرعها طبقا لأحدث النظريات العلمية, التي تجنب المرضى المصائب التي يمكن أن تحل بهم بعد إحياء الأمل في أنفسهم. انه الدكتور رفائيل مارتينيث, الذي كان أول رئيس للمجلس الأوروبي لزراعة الأعضاء البشرية, بدأ حديثه بحقيقة كانت غائبة عن كل الذين حاولوا قبله توصيل مفهوم ما عن هذه المشكلة, التي تكاد تتحول في أوروبا إلى كارثة اقتصادية من الدرجة الأولى, بسبب توقف الناس عن أكل لحوم (البقر), بل وغيرها من اللحوم مما زاد من تخوف الحكومات الأوروبية من انضمام مواطنيهم إلى النباتيين, وبالتالي زيادة عدد أعضاء الجماعات الهامشية التي تعيش في أوروبا, مثل جماعات (هاري كريشنا) وغيرها من الجماعات. يقول الدكتور رفائيل مارتينيث إن هذا المرض نتيجة طبيعية لنظرية اقتصادية بسيطة وبدائية وهي (جشع البشر), والجشعون يوجدون في كل المجالات, وينتشرون بين ممارسي كل المهن, لكن من يقصدهم الدكتور يوجدون بالدرجة الأولى بين الباحثين عن تنمية أموالهم بأسرع طريقة ممكنة, تطبيقا لقانون الربح الرأسمالي, وجشع البعض كان يتم ترجمته في شكل بحث عن أسرع طريقة لتنمية هذه الأرباح وزيادتها لتحقق أكبر عائد ممكن في أقل وقت ممكن, والممكن الحدوث ينتهي إلى الحدوث قطعا, ورأ س المال العامل في تربية وتسويق اللحم وجد في عمليات التسمين السريعة طريقة سهلة وبسيطة ورخيصة, فاستخدم هؤلاء الجشعون منهم كل ما يخطر ولا يخطر على البال من أنواع الأعلاف لتسمين عجول البقر في أسرع وقت ممكن, حتى يمكن أن تدور دورة رأس المال بشكل أسرع فتنمو الارباح. زادت سرعة دورة رأس المال العامل في عمليات تربية وتسويق اللحوم, لكن الطمع يدفع إلى البحث عن المزيد من المكاسب, لذلك أثناء البحث عن (تسريع) جديد في تلك الدورة تم اكتشاف بقايا اللحوم من عظام وغيرها التي كانت تتخلص منها مصانع الذبح بالحرق, وقرروا الاستفادة منها لما فيها من بروتين حيواني يضاف إلى حيواناتهم المعدة للذبح, فدخلت مخلفات الغنم والماعز وغيرها من الحيوانات في غذاء البقر, وبذلك تم خرق قوانين الطبيعة من خلال تدمير الدورة الطبيعية للأغذية التي اعتاد عليها البقر, فأصبح يأكل (شبيهه), تماما كما لو أكل البشر لحم البشر, ولم يكن منتظرا نتيجة أخرى غير أن يصاب البقر بالجنون (!). يبني الدكتور رفائيل مارتينيث نظريته على مرض بشري بدائي كان منتشرا حتى الخمسينيات من هذا القرن بين بعض البدائيين من قبائل غينيا الجديدة, وكان هذا المرض يطلقون عليه هناك اسم (كورور), ولمن يريد المزيد عن اسم هذا المرض نكتبه له بالحروف اللاتينية (kuru ), ويؤكد الدكتور الخبير أن هذا المرض كان منتشرا بين تلك القبائل لأنها كانت تمارس طقوسا خاصة بها تستخدم فيها أكل (لحوم بشرية), وأن هذا المرض لم يتم القضاء عليه إلا بتخلي تلك القبائل عن ممارسة طقوسها التي كانت تتسبب في انتشار هذا المرض بين أفرادها. من هنا يربط الدكتور رفائيل مارتينيث بين ما أصاب قبائل غينيا الجديدة من مرض وما يصيب البقر الأوروبي من مرض مشابه, ولكن الدكتور الإسباني صاحب الخبرة الطويلة في العلم والطب لم يخبرنا بنتيجة بحثه دون أن يقدم لنا الأدلة على ما توصل إليه من نتائج, بل يزيد ويحذر من ممارسات أخرى يمكن أن تؤدي لانتشار أمراض مشابهة لجنون البقر, حيث يؤكد أيضا أن هذا المرض الناتج عن أكل (المثل) لا ينتقل من كائن حي إلى آخر بالتناول عبر الفم والمعدة فقط, بل يمكن أن ينتقل عبر عمليات أخرى يمكن فيها استخدام أجزاء من كائن مشابه. مثلا عمليات نقل الأعضاء بين البشر يمكن أن تصيب الإنسان بأمراض مشابهة لذلك المرض الغيني المسمى بالـ (كورو), أو بمرض (جنون البقر), لأن هناك شواهد علمية تقول إن انتقال هذا المرض يمكن أن يتم من خلال عملية زرع كلية أو كبد, أو حتى عمليات زرع جلد سطحي من شخص ميت لشخص حي, لهذا السبب ــ كما يقول الدكتور رفائيل مارتينيث- يتم فحص الأعضاء المطلوب زرعها فحصا دقيقا قبل إجراء عمليات الزرع, يضاف إليها إخضاع أهل المتبرع لعملية استجواب دقيقة حول أسرة المتبرع, والأمراض الوراثية المحتملة التي يمكن أن يكون ناقلا لها دون الإصابة بها, بل بعضها يحتاج إلى فحص جيني للتعرف عليه. لذلك لا يقتصر تحذير الطبيب الإسباني على أكل لحوم البقر المجنون, بل يمتد تحذيره إلى أنواع أخرى من الحيوانات التي نأكلها نحن البشر بكل الهناء, مثل لحم الغنم, لأنه يقول ان هذا المرض أصاب أولا الغنم الإنجليزي, وانتقل إلى البقر من خلال تغذيتها على بقايا لحوم وعظام ذلك الغنم, ليصل في النهاية إلى أن دعواتنا لأنفسنا ولغيرنا بأن كل ما نتناوله (مطرح ما يسري يمري ) ليست صحيحة, ويجب علينا التأكد من أن هذا الطعام سليما وخاليا من تلك الأمراض حتى (يسري ويمري)(, لأنه يمكن لهذا الغذاء أن يصيبنا في مقتل, لذلك علينا أن نحذر هذا الطعام الشهي الذي قد يجلب علينا (الجنون) من حيث لا ندري. من كل ما اطلع عليه وله علاقة بجنون البقر, سواء في الطب أو الاقتصاد, لأن جنون البقر كارثة اقتصادية أيضا, له نتيجة واحدة, أن جنون البقر نتيجة حتمية لجشع البشر. * كاتب مصري مقيم في إسبانيا