ليس مصادفة أن تكون قضية فلسطين في القلب, دائما, من أي تجمع قومي للمرأة العربية. حدث ذلك في أول مؤتمر نسائي قومي انعقد بالقاهرة في شهر أكتوبر سنة ,1938 وكان ذلك بدعوة من هدى شعراوي رائدة، النهضة النسائية في مصر, ومؤسسة الاتحاد النسائي المصري سنة .1923 وكان هدف المؤتمر دراسة قضية فلسطين ونصرة شعبها الذي قام بثورة 1936 التي استمرت ثلاث سنوات. وكان ذلك المؤتمر أول تجمع قومي للنساء العربيات, كما كان بمثابة تمهيد لتأسيس الاتحاد النسائي العربي الذي أعلن في ديسمبر 1944 في مؤتمر ثان بالقاهرة, شاركت فيه ممثلات للحركة النسائية العربية في كل من سوريا وشرق الأردن والعراق وفلسطين ولبنان ومصر, وكانت قضية فلسطين على رأس أعمال ذلك المؤتمر الذي انعقد في السنوات الحرجة من تاريخ هذه القضية. وكانت قضية فسطين هي القضية الأولى على أجندة مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية, فقد انعقد المؤتمر والشعب الفلسطيني يمر بمرحلة حاسمة في نضاله من أجل حقوقه المشروعة, كما تمر القضية الفلسطينية كلها بتحولات جذرية في مسيرتها القومية والانسانية التي تدخل منعطفا حاسما من تاريخنا القومي. وذلك وضع فرض نفسه على توجهات مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية الذي انعقد في شهر نوفمبر الماضي, ذلك المؤتمر الذي استجاب الى دوافع انعقاده وترتيب أولويات أجندته, وسعى بكل طاقته أن ترقى أعماله الى مصاف الأماني القومية التي جمعت بين المشاركات فيه, خصوصا, في تلك اللحظة التاريخية المتوترة التي نعيشها. ولذلك كانت بحوث المؤتمر ومناقشاته وتوصياته إنجازا من الإنجازات المضيئة في عمق الوعي بالمسئولية القومية التي فرضت نفسها على العدد الغفير من النساء اللائي حضرن من كل الأقطار العربية. دافعهن أن هذه هي المرة الأولى التي ينعقد فيها مؤتمر قمة للمرأة العربية في تاريخنا الحديث والمعاصر, وأن هذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها الجامعات العربية مؤتمرا من هذا النوع, والمرة الأولى التي تجتمع فيها السيدات الأوليات لملوك ورؤساء العرب مع حشد متميز من نساء الفكر ورجاله ليواجهوا معا تحديات حاضر المرأة العربية, ويتطلعوا معا الى آفاق مستقبلها الواعد الذي هو مستقبل الرجل في الوقت نفسه. لقد مضى قرن ونصف قرن تقريبا على بداية مسيرة تحرر المرأة العربية الحديثة. وهي مسيرة طويلة, علامات الأحداث المهمة والانجازات المضيئة التي صنعت خطى تقدم (المرأة الجديدة) التي بشرت بوجودها, ودافعت عنها, كتابات الرواد والرائدات العربيات, أولئك الذين تركوا ميراثا فكريا عظيما تبدأ منه المرأة العربية المعاصرة, تلك التي تبدأ من حيث انتهت الرائدات, واعية بالتحديات التي يفرضها حاضرها, متطلعة الى المنجزات التي تعد بها آفاق مستقبلها. واذا كان انعقاد مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية يذكرنا بالجهود القومية التي تكاتفت لتأكيد حقوق المرأة العربية الحديثة وواجباتها, على كل المستويات, فإن الاحتشاد القومي لهذا المؤتمر هو, بدوره, علامة من علامات مسيرة تقدم المرأة العربية, وحدث يضيف الى ما سبقه من المعنى ما يرتبط بسياق انعقاده ودوافع الدعوة اليه. ويتجلى ذلك في أن المؤتمر انعقد مع بدايات القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة من الميلاد, وبعد مئة عام من صدور كتاب قاسم أمين عن (المرأة الجديدة) التي أصبحت حقيقة ملموسة في واقعنا العربي, خصوصا بعد أن أسهمت هذه المرأة في عمليات تحريرها, وانتزعت الكثير من حقوقها. وانعقد المؤتمر بعد أقل من عام على بداية عمل المجلس القومي للمرأة في مصر, ذلك المجلس الذي صدر القرار الجمهوري بانشائه في الثامن من فبراير الماضي, والذي يظل بمسماه تأكيدا للبعد القومي في مسيرة المرأة المصرية, وإبرازا لعمق صلاتها التاريخية بالمرأة العربية في كل مكان. وانعقد المؤتمر بعد أشهر معدودة من الدورة التي خصصتها الأمم المتحدة لمراجعة ما تحقق من قرارات مؤتمر بكين العالمي للمرأة, والعمل على ازالة العقبات التي لا تزال موجودة بدرجات متفاوتة على امتداد الكوكب الأرضي كله. وانعقد المؤتمر, أخيرا, بعد أقل من شهر واحد من انعقاد مؤتمر القمة العربية, وفي سياق من التحديات القومية المصيرية التي واجهها الملوك والرؤساء العرب, مؤكدين تضامنهم مع القضية الفلسطينية العادلة التي هي قضية العرب جميعا, ومدافعين عن الحقوق العربية المهددة, مستجيبين في ذلك الى نبض الجماهير العربية التي أعلنت غضبها الساطع, والتي لا تزال تحلم بسلام عادل وشامل في المنطقة العربية كلها. وقد أضفت كل هذه الأحداث على مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية, في هذا التوقيت بالذات, مزيدا من الأهمية, بل جعلته بمثابة استجابة قومية جسورة من المرأة للتحديات القومية التي تفجرها القضية الفلسطينية بعامة, وما حدث في مدينة القدس بخاصة. وكان انعقاد المؤتمر, من هذه الزاوية تحديدا, تعبيرا عن أمانة المسئولية القومية, وتأكيدا لدور المرأة العربية بوصفها شريكا كاملا في المسئولية القومية مع الرجل, سواء في حمل أعباء الحاضر أو رسم سياسات المستقبل والتخطيط له. والحق أن مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية جاء تتويجا لكل ما سبقه في مسيرة المرأة العربية, وأصبح حدثا يؤذن ببداية مرحلة جديدة في المسيرة الطويلة المليئة بالانتصارات والانتكاسات. ولا ينكر منصف أن الأوضاع الحالية للمرأة العربية اختلفت اختلافا جذريا عن ما كانت عليه في بداية مسيرة نضالها التي واجهت مصاعب وعقبات كثيرة, والتي شهدت المشاركة الفعالة للمرأة العربية في الكفاح الوطني من أجل الاستقلال, جنبا الى جانب الرجل, في ساحات الشرف التي سقطت فيها الشهيدات الى جانب الشهداء على امتداد أقطار الوطن العربي التي حارب الاستعمار لسنوات طويلة, فضلا عن الأقطار التي لا تزال تسعى الى تحرير أرضها الى اليوم, وبخاصة في فلسطين. ولا شك أن وقائع التاريخ المجيد الذي تمتلئ به الذاكرة الجمعية للمرأة العربية هي عنصر فاعل, يحفز وعيها القومي على مواجهة تحديات القضية الفلسطينية التي تستلزم الأعمال الجسورة والمواقف الجذرية, كما تفرض الاعتماد المتبادل من منظور التعاون القومي الذي يدفع بالمرأة العربية في كل الأقطار الى المزيد من الاسهام القومي الفعال.